اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ٤٢

اللاّمحدود، فاغتنت اللّغة العربيّة بمفردات غريبة عن التّداول الاجتماعي، ولكنّها لم تكن غريبة عن طبيعة تكوينها وخصائصها ومميّزاتها."(1)

4 – تميّزت بصفة التّأثّر والتّأثير بلا حدود، مع المحافظة على هويّتها وشخصيّتها. هذه سمة اللّغات القويّة الغنيّة بالعناصر الحيّة التي تعطي وتأخذ، وهو ما يمنحها فرصة التّطوّر والتّجدّد. تقول الدّكتورة مها خير بك ناصر: " احتضنت اللّغة العربيّة حصاد الفكر العربي، الذي خضع في خلال رحلة الفكر اللاّمحدود إلى مؤثّرات داخليّة وخارجيّة، بدأت بالتّفاعل التّجاري والحضاري والاجتماعي مع شعوب غير عربيّة، فأمدّتْهم التّجربة الإنسانيّة القائمة على الحوار والتّبادل والتّفاعل بمفردات، لم تكن في أصل المنطوق العربيّ، ونقلوا أيضًا إلى الآخر مفردات دخلت مع حركة الزّمان، في أصل لغتهم، فأثبتت اللّغة العربيّة قدرتها على التّأثّر والتّأثير، وأكّدت على سلامتها وأصالتها بقبول الكثير من المفردات غير العربيّة، وحافظت على مقوّماتها؛ بالرّغم من تعدّد اللّهجات، التي لم يُحفظ منها إلاّ ما يتوافق وطبيعتها، ولا يتناقض وجوهرها وخصائصها. "(2)

يسجّل النّصّ مظهرًا آخر من مظاهر القوّة، التي تُبين عن جدارة اللّغة العربيّة في أخذ سمة العالميّة، إنّها صفة التّأثّر والتّأثير، التي تعني قبولَها مفرداتٍ من لغات أخرى، وإغناءَها هي (أي اللّغة العربيّة) وغيرَها بمفردات من بناتها. من دون المساس بأصولها، ومن دون تضييع خصائصها. هذه الظّاهرة ناتجة عن مرونة اللّغة العربيّة وغناها وسعتها لتقبّل هذا الفعل الحضاري.

5 – هناك جانب آخر مهمّ يبيّن طبيعة اللّغة العربيّة، هو جانب الاشتقاق، أي هي لغة اشتقاقيّة. وهي الصّفة التي تجعلها صالحة لكلّ زمان ومكان، وقادرة على استيعاب المستجدّات، والتّفاعل مع أخواتها من اللّغات الأخرى، وفي هذا تقول العربيّة عن نفسها على لسان حافظ إبراهيم:

وسعت كتاب الله لفظًا وغايةً … وما ضقت عن آي به وعظاتِ

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة … وتنسيق أسماء لمخترعاتِ

هذا الجانب القويّ في اللّغة العربيّة يدفع بها أن تكون عالميّة، يستفيد منها البشر بمختلف أجناسهم، وبخاصّة الباحثون في اللّسانيّات. إنّه أحد مظاهر قوّتها وحيويّتها وعِلميّتها. تقول الدّكتورة مها خير بك ناصر: " تظهر الدّراسات اللّغويّة المنطقيّة والموضوعيّة ديناميكيّة اللّغة العربيّة التي أَكسبَتْها حركيّة فيزيائيّة وخصائص كيميائيّة، ساعدت في حفظ بذور هذا الفكر العالمي، وتحصينه في مختبرات الفكر الإسلامي الإنساني، وذلك من خلال الطّاقة الحركيّة الاشتقاقيّة والتّوليديّة، التي أسهمت في رعاية عمليّة تخصيب العلوم والمعارف العالميّة، في مختبرات لغويّة عربيّة، خَمّرت المواد المعرفيّة؛ وَفق ما تفرضه شروط التّجربة، وما تتطلّبه من وسط لغويّ سليم، قادر على استيعاب

(1) - الدّكتورة مها خير بك ناصر، " إشكاليّة اللّغة العربيّة والعولمة في ضوء البنية اللّغويّة وكيميائيّة التّحوّل"، مجلة اللّغة العربيّة (المجلس الأعلى للّغة العربيّة)، الجزائر، ع: 16، خريف 2006، ص: 282.

(2) - المرجع السّابق، ص: 286، 287.

٤٠ / ٩١