اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ٤١

ج – بقيت أصولها ثابتة، وبنيتها قائمة، تستجيب للتّطوّرات التي حدثت في المعارف التي تتأثّر بها اللّغة قطعًا، فاستجابت وتكيّفت معها، من دون تضييع أصولها، وهو ما لم يحصل مع اللّغات الأخرى، التي انقرضت، أو حصل لها انحراف أو تشويش أو تشوّه في كيانها وطبيعتها.

كلّ هذه المؤشّرات أو المظاهر تكشف عن أصالة اللّغة العربيّة وقوّتها التي تبوّئها المكانة الرّفيعة، وتبقيها حيّة قادرة على مزيد من العطاء والإبداع بالفعل؛ لأنّها تملك ذلك بالقوّة. هذا ما يمنحها عُدّة المحافظة على عالميّتها، مهما تكن الظّروف التي تمرّ بها، أو تدفع إليها …(1)

2 – يقول الدّكتور حسين نصّار: " إنّ أكبر تحدٍّ واجهته العربيّة كان عندما أخرجها الإسلام من جاهليّة غنيّة كلّ الغنى في الإبداع الأدبي، فقيرة كلّ الفقر إلى حدّ الإملاق في الإنتاج العلمي، ثمّ ألقى بها في بحر وافر من الحضارات والعلوم والفلسفات والفنون، وكلّ صنوف المعرفة التي ابتكرتها الأمم المتاخمة للجزيرة العربيّة، ويسجّل المؤرّخون كيف انبثقت حركة فكريّة منذ أواخر القرن الهجري الأوّل، وكيف انفردت الشّعوب النّاطقة بالعربيّة (من الشّعوب النّاطقة بالسّريّانية والفارسيّة واليونانيّة) بالرّيادة العلميّة والحضاريّة في مجال البحث العلمي والتّرجمة والتّعريب."

يقول غوستاف لوبون: " لقد أصبحت اللّغة العربيّة لغة عالميّة في جميع الأقطار التي احتكّت مع الشّعوب العربيّة، حيث تراجعت أمامها حتّى اللّغة اللاّتينيّة في شبه الجزيرة الأيبيريّة (الأندلس). ولقد أدرك أولو العلم في تلك الفترة أنّ اللّغة العربيّة هي الوسيلة الوحيدة لنقل العلوم والفنون والآداب، بل لقد اضطرّ رجال الكنيسة إلى تعريب مجموعاتهم القانونيّة لتسهيل قراءتها في الكنائس الإسبانيّة"(2)

هذا النّصّ يسجّل للّغة العربيّة عالميّتها، التي كانت تتمتّع بها في القديم بخاصّة؛ بما قامت به من أدوار في البناء الحضاري، وتطوير وسائل الإفادة وتفعيل مجالات الحضارة الإنسانيّة بعامّة. وهو ما دفع بغالبيّة الشّعوب التي احتكّت بها أن تتعامل بها في مختلف حقول المعارف الإنسانيّة. إنّ هذا يقرّ بدورها الرّيادي في مسيرة الفكر العالمي، ويبرز مكانتها الحضاريّة.

3 – هده المكانة الحضاريّة العالميّة، اكتسبتها اللّغة العربيّة بفضل ما تتمتّع به من مميّزات وإمكانات لصهر الثّقافات التي احتكّت بها، بعد أن استوعبتها، وكيّفتها بما لا يمسّ بأصولها. إنّ هذا يمنحها صفة المرونة في تقبّل الثّقافات الأخرى. هذا عنصر آخر يضاف إلى مكانتها العالميّة. تقول الدّكتورة مها خير بك ناصر: " بهذه البَدَهيَّات العلميَّة، الحضاريَة، الإنسانيَة تمّ إنتاج الحضارة (العربيَة – الإسلاميَة – العالميَة) التي صهرت المعارف العلميّة، والفلسفيّة، والثّقافيّة، والحضاريّة عند أمم كثيرة، في مختبر البيئة الفكريّة الحضاريّة الجديدة، وسجّلت النّتائج بلغة عربيّة، أثبتت قدرة متفوّقة على احتواء إبداعات العقل

(1) - عن عالميّة اللّغة العربيّة في القديم، وازدياد هذه العالميّة وقوّتها … ينظر المرجع السّابق، ص: 216 وما بعدها. وعن مكانة اللّغة العربيّة بين اللّغات العالميّة ينظر الدّكتور أحمد بن نعمان، كتابُه مستقبل اللّغة العربيّة بين محاربة الأعداء وإرادة السّماء، ط1، شركة دار الأمّة، الجزائر، 2008، ص: 289، 290. ومقال الدّكتور عبد الجليل مرتاض، " العربيّة ورهانها العولمي لسانيّا "، كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، (المجلس الأعلى للّغة العربيّة، الجزائر)، 1430هـ/ 2009 م، ص: 705 – 743.

(2) -الدّكتور بكري عبد الكريم، " عالميّة اللّغة العربيّة: الرّؤية والأداة "، كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 285.

٣٩ / ٩١