اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٤٥12 – ممّا يستدلّ به أيضًا شاهدًا على عالميّة اللّغة العربيّة حضورها المكثّف في أمريكا، في جامعاتها ومؤسّساتها، لدوافع كثيرة مختلفة. ومهما يكن تفسير هذا الوجود في هذا القطر الذي يريد أن يستحوذ على العالم، ويسيطر على مقدّراته، ويفرض نفسه وثقافته على الجميع، فإنّ حضور اللّغة العربيّة في مجالها الحيوي، وفي حياة شعبها يبرز ما لهذه اللّغة من أهميّة.
استثمارُ ذلك استثمارًا إيجابيًّا ممنهجًا ومخطّطًا، وبإرادة حكوميّة وشعبيّة، يضيف مؤشّرًا آخر وعاملاً آخر في تأكيد عالميّة العربيّة من جديد، ويوفّر لها الفرصة كي تتبوّأ مكانتها في الفكر العالمي راهنًا ومستقبلاً. يقول الدّكتور وليد العناني في سياق عرضه مظاهر حضور اللّغة العربيّة في الجامعات الأميركيّة، بعد أن سجّل ظاهرة إرسال الطّلبة الأمريكيّين إلى الجامعات العربيّة: " ويقترن بهذا المظهر مظهر أكاديمي آخر، يتمثّل في إقامة علاقات التّبادل الثّقافي وبرامج تعليم العربيّة في ما وراء البحار؛ فقد عقدت كثير من الجامعات الأمريكيّة برامج الدّورات اللّغويّة في البيئة العربيّة، حيث يمضي فيها طلبة البرنامج مدّة معيّنة في إحدى الدّول العربيّة، وغالبًا ما تكون في الصّيف. وظاهر أنّ الغرض الرّئيسي من هذه الدّورات اكتساب كفاية تواصليّة مناسبة بالعربيّة، واكتساب قدر مناسب من الثّقافة العربيّة والإسلاميّة، إضافة إلى تحصيل قدر من العاميّة … "(1)
إذا كانت اللّغة العربيّة قد كسبت الصّراع اللّغوي، وحازت على الرّهان، بدليل سبقها إلى خوض مجالات البحث المختلفة، ونيل الرّيادة في المراسلات الدّوليّة، والفوز بالتّقدّم في العلاقات المختلفة لمظاهر الحضارة في العالم … ألا يكون ذلك محفّزًا على استرجاع هذه القوّة الكامنة؛ بإقحام أبنائها لها من جديد في هذه الحقول، والخوض بها في مسيرة الفكر العالمي، حتّى تُبقِيَ على عالميّتها، التي هي في كمون وهمود، وسكون وخمود، إلى أن يعمل أبناؤها على بعث قوّتها من جديد. التي قال عنها الدّكتور إبراهيم بن مراد: " … وقد ظلّت اللّغةَ العلميّةَ والثّقافيّةَ الأولى حوالي خمسة قرون أو تزيد، تحمل معها خلاصة الفكر الإنساني القديم في الثّقافة والعلم، وإسهام العرب في إثراء الحضارة الإنسانيّة في شتّى حقول المعرفة. "(2)
هذه بعض الشّهادات التي تكشف عن قوّة اللّغة العربيّة، وهذه بعض الخصائص التي تبرز حقيقتها. وهي كلّها تقرّ وتظهر جدارتها في التّموقع في مقعد اللّغة العالميّة، وتعترف بسعتها الكبيرة في حمل الفكر العالمي، وقدرتها على تطوير هذا الفكر، والسّير به أشواطًا بعيدة في خدمة الإنسانيّة خدمة شاملة، مِمّا يثبت حضور هذه اللّغة بقوّة في مسيرة الفكر الإنساني في كلّ مراحله. ولكن هل هذا الحضور موجود اليوم؟
يقول الدّكتور إبراهيم بن مراد: " كانت اللّغة العربيّة في القديم لغة عالميّة، قد تصدّرت اللّغات المعروفة طيلة قرون كاملة، فكانت اللّغة العالميّة الواسعة الانتشار بحقّ، قد حملت معها حضارة وفكرًا أصيلين، وأثّرت في اللّغات القريبة منها والبعيدة عنها. وهي اليوم قاصرة تجهد نفسها، ويجاهد أهلها لتلتحق بالّلغات العالميّة الكبرى، وتستعيد إشعاعها الماضي ومنزلتها القديمة ودورها الحضاري. "(3)
(1) - الدّكتور وليد العناني، " اللّغة العربيّة في أمريكا من الثّقافي إلى الأمني "، المصدر السّابق، ص: 296.
(2) - من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 225.
(3) - المصدر السّابق، ص: 224.