اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٤٦بل إنّ كثيرًا من الدّارسين وعامّة النّاس يشكّكون في قوّتها، وفي قدرتها على مسايرة العصر في سرعة تطوّره، وكثرة مخترعاته، وحجم مستجدّاته، فأصبحوا يلقون أسئلة عديدة عن إمكانيّة قيام اللّغة العربيّة بدور اللّغة الحاملة للفكر والحضارة، والقادرة على التّواصل والتّبليغ، وبكلمة واحدة صريحة التّشكيك في عالميّتها. يردّد هذا أبناؤها والأجانب عنها، عن حسن نيّة، وعن سوء قصد، وبغرض النّيل منها، وإبعادها عن السّاحة، أو على الأقلّ حرمانها من أن تحوز على شرف العالميّة، الذي هو من حقّها في الماضي، وهو نصيبها في الحاضر. ينقل الدّكتور محمد سويسي بعض هذه الأسئلة في الفقرة الآتية: " هل العربيّة صالحة لأداء المفاهيم العلميّة والفلسفيّة المعاصرة؟ بل هل العربيّة ما فتئت لغة حيّة، يمكنها التّعبير عن كلّ مدلول نظري أو تطبيقي من المدلولات الحديثة؟ وذلك أنّ العربيّة تعترضها اليوم مشاكل لغويّة عويصة، فوقفت في مفترق الطّرق، بين ماض انقضى وطويت صفحاته، أدّت معانيه أحسن تأدية، وحاضر متجدّد، تطوّرت أحداثه وتنوّعت معالم انبعاثه العلمي والاجتماعي والتّكنولوجي … وقوي تيّار تجدّده بسرعة، فاقت ما للّغة من سرعة التّطوّر، فتخلّفت عن الرّكب، ووقفت لا تفقه المتَّجَه، ولا تعلم أيّ سبيل تسلك كي يكون لها ما يؤهّلها للقيام برسالتها."(1)
هذه الأسئلة تحمل أسوأ الاتّهامات، وأمكر المؤامرات ضدّ اللّغة العربيّة، الغرض منها القضاء عليها، وطمس معالمها، أو الحطّ من قيمتها وصرف النّظر عنها، هذه الاتّهامات قد تكون صادرة عن جهل وسذاجة، وقد تكون نابعة من إرهاب فكري، وقهر ايديولوجي، وعقدة الاستعلاء والتّفوّق والسّيطرة والهيمنة …
كيف يكون ردّ هذه الاتّهامات، لتحظى اللّغة بمكانها في سيرورة الفكر العالمي؟ وترجع لها مكانتها؟ وماذا يجب أن يقام به ليفسح لها المجال كي تؤكّد على هذا المكسب؟ وتسترجع هذا الحقّ؟ هل تتمكّن أن تحقّق هذا المطلب أو هذه الغاية؟ وهل يمكن لها أن تجد مكانًا في الفكر العالمي؟ وهل يكون لها تأثير على مسيرة الحضارة العالميّة والإنسانيّة الرّاهنة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة، والرّدّ على هذه الاهتمامات يحتاج إلى مزيد البحث والدّراسة، ويطلب جرأة وشجاعة في عرض راهن اللّغة العربيّة في أوطانها وخارج ديارها، والوقوف على حقيقة العلاقة بينها وأبنائها، ونظرة غيرها إليها، ومدى إرادة أهل الدّار في النّهوض بها، ومدى استعداد غيرهم لتقبّلها، وإتاحة الفرصة لها، وفسح المجال لها كي تستعيد مكانتها، وتسهم في البناء الحضاري، وإغناء الفكر الإنساني، وتطوير مسيرة الفكر العالمي … البداية تكون بإزالة المشاكل والعوائق والمثبّطات التي تحول بينها والقيام بدورها الحقيقي. فما هي هذه المشاكل والمعيقات؟(2)
(1) - الدّكتور محمد سويسي، " اللّغة العربيّة في مواكبة الفكر العلمي"، المصدر السّابق، ص: 140.
(2) - كتب الكثير عن المعيقات والمشاكل التي تعاني منها اللّغة العربيّة، وعن بعض الحلول التي يمكن أن تسهم في إزالة هذه التّحدّيات. ينظر مثلا: كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول ص: 89 وما بعدها، وص: 174 وما بعدها، وص: 740، 741، وص: 745 وما بعها، وص: 771 وما بعدها. وكتاب مستقبل الثّقافة العربيّة في القرن الحادي والعشرين، المنظّمة العربيّة للّتربية والثّقافة والعلوم، تونس، 1998م، ص: 350 وما بعدها، ود. أحمد بن نعمان، كتابُه: مستقبل اللّغة العربيّة بين محاربة الأعداء وإرادة السّماء،، ص: 57 وما بعدها. ومجلّة اللّغة العربيّة (المجلس الأعلى للّغة العربية، الجزائر)، ع: 16،، ص: 304 وما بعدها …