اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ٥٤

إنّ هؤلاء المخطّطين الاستراتيجيّين يقرؤون للحقيقة الموضوعيّة حسابها. فاللّسان العربي هو اللّغة القوميّة لحوالي 270 مليون نسمة، وهو يمثّل إلى جانب ذلك بدون شكّ مرجعيّة اعتباريّة لأكثر من 750 مليون مسلم غير عربي، كلّهم يتوق إلى اكتساب اللّغة العربيّة بحذق ومهارة، فإن لم يتقنوها فلأنّها ليست لغتهم القوميّة، فإنّهم في أيسر الاحتمالات يناصرونها، ويحتمون بأنموذجها.

ثمّ إنّ اللّسان العربي حامل تراث، وناقل معرفة، وشاهد حيٌّ على الجذور التي استلهم منها الغرب نهضته الحديثة في كلّ العلوم النّظريّة والطّبيّة والفلسفيّة، وهو بهذا الاعتبار يخيفهم أكثر ممّا يخيفهم اللّسان الصّيني أو الهندي، ولا يغفل هؤلاء المهندسون الثّقافيّون السّاهرون على برمَجةِ الذّهن الجماعي في عصر الأمميّة والكونيّة عن الرّسالة الحضاريّة والرّوحيّة التي حَمَلت بها اللّغة العربيّة، وهم العارفون بأنّ التّماهي بين اللّغة العربيّة والهويّة لم يبلغ تمامه الأقصى في الثّقافات الإنسانيّة مثلما بلغه عند العرب بكلّ اطّراد تاريخي، وبكلّ تواتر فكري واجتماعي ونفسي. "(1)

هذا الهلع من اللّغة العربيّة، يسوق الغرب بدافع الكراهيّة والحسد وحبّ السّيطرة والهيمنة … إلى اتّخاذ إجراءات عدائيّة، وارتكاب جرائم ثقافيّة في حقّ اللّغة العربيّة؛ حتّى لا تبرز في السّاحة الدّوليّة، بالشّكل الذي يهدّد مصالح الغرب، ويجهض مشروعاته. هذا تحدٍّ آخر خطير وكبير يواجه اللّغة العربيّة. يقف حاجزًا وعائقًا في طريق عالميّتها، وحضورها في الفكر العالمي بقوّة.

هذه بعض المعيقات التي تعترض سبيل اللّغة العربيّة كي تسير نحو العالميّة، وتقدّم إسهامات مجدية وكبيرة للفكر العالمي، كما كانت عليه من قبل. يجب إزالة هذه العقبات قبل الحديث أو تقويم دورها ومكانتها وحضورها، أو علاقتها بالفكر العالمي؛ حتّى لا نظلمها بإصدار أحكام جائرة نحوها. كما ينبغي أن لا نتجاهل هذه الحقائق، ونحلم بأنّ لغتنا بخير، وأنّنا بها نبلغ كلّ هدف، ونحقّق كلّ مأمول، شفيعنا ومؤازرنا وسندنا في هذا ماضيها المشرق، وإنجازاتها الكبيرة، وريادتها القديمة للفكر العالمي … فيقال لنا ما قاله شاعر العراق معروف الرّصافي:

وهل إن كان حاضرنا شقيًّا … نسود بكون ماضينا سعيدَا

هذا تضليل للنّاس وظلم لهم. إنّ ما يجب عمله هو وعي الواقع الذي نعيشه، والاعتراف بالتّقصير نحو اللّغة العربيّة، واليقين بأنّها ستتبوّأ مكانها الحقيقي في الرّيادة والقيادة والسّيادة، في سيرورة الفكر العالمي، إذا قمنا بواجبنا نحوها؛ بتبنّي مشروعات نهضويّة، محكمة التّدبير والتّخطيط، قويّة التّطبيق، ملزمة التّنفيذ … فكيف نمكنّ اللّغة العربيّة من الاندماج في حركية الفكر العالمي؟

(1) - الدّكتور عبد السّلام المسدّي، " الثّقافة العربيّة والعولمة من خلال أنموذج اللّغة "، كتاب مستقبل الثّقافة العربيّة في القرن الحادي والعشرين، ص: 320.

٥٢ / ٩١