اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ٥٣

الفكريّة العالميّة، لتمكين أهلها وغيرهم من امتلاك المعرفة بقوّة وبسرعة لتطوير الحياة. ولهذا فإن اللّغة العربيّة تُرَدِّدُ على لسان الباحثين الأصلاء ترجمة لمشاعرها: " أعطوني العلماء أعبّر لكم عمّا لم تنطق به الألسن من قبل".

ما تملكه اللّغة العربيّة من إمكانات لتأتي بما لم تأتِ به اللّغات الأخرى، وما تنطق به الألسن، يبيّن ما لها من قدرة على التّمركز على أريكة العالميّة. في الوقت نفسه تُعَدُّ اللّغةَ الأمَّ لعدد كبير من سكّان المعمورة الذين يشكّلون وزنًا في الحياة العامّة، ويشغلون حيّزًا كبيرًا في البسيطة كمًّا وكيفًا، إذا عرفوا أقدارهم واحترموا قيمهم،

من هنا يأتي التّأكيد على ضرورة القناعة بأنّ التّطوّر الحقيقي يكون بواسطة اللّغة الأمّ، فالعرب والمسلمون لا يمكنهم التّقدّم إلاّ إذا التجؤوا إلى لغتهم، وركبوها لتحلّق بهم في سماء الرّفعة والسّؤدد. يقول الدّكتور منصور فرح: " وتشكّل اللّغةُ الأمُّ الأداةَ الأهمّ في تداول المعلومات وتوليد المعارف، فهي التي تستخدم في التّربية والتّعليم، وهي التي تسمح بالتّفاعل بين المواطنين، الفقراء منهم والأغنيّاء، وبينهم وبين المؤسّسات الوطنيّة المختلفة. واللّغة العربيّة هي لغة تجمع البلدان العربيّة، وتسمح بتوسيع نطاق المعارف ما بينها، وهي لغة قابلة للتّطوّر واستيعاب الجديد والمبتكر في العلوم والتّقانة، كما في حياتنا اليوميّة … "(1)

يرى الدّكتور منصور فرح أنّ ردم الفجوة الرّقميّة، وإتاحة الفرص للّغة العربيّة لتتطوّر يتطلّب: "جهودًا مكثّفة مبرمجة، من قبل جهات عدّة، تمتدّ على حقبة من الزّمن، ما يتطلّب عمليّة تنسيق ومتابعة حثيثة، وإعادة نظر مستمرّ، ولكن بعض الأمور المرتبطة باللّغة العربيّة وتطوّرها تحتاج إلى معالجة، وتشكّل فرصًا للتّقدّم، وتطوير اللّغة العربيّة، ونكتفي في هذا البحث بالتّطرّق إلى أربعة منها، وهي تطوير التّعليم والتّعلّم باللّغة العربيّة، وبناء صناعة المحتوى الرّقمي العربي، وتمكين استخدام الإنترنيت بالعربيّة، والاعتماد على المشاركة المفتوحة لتطوير ونشر العربيّة."(2)

10 – خوف الغرب من تزايد الوزن الحضاري للّغة العربيّة في المستقبل

إنّ ممّا يرعب الغرب ويقضّ مضجعة تنامي انتشار اللّغة العربيّة، وازدياد حضورها في المجتمعات العلميّة، والمؤسّسات الثّقافيّة. يحدث هذا بعد ركود وهمود أصابا اللّغة العربيّة، سَمحا للغرب أن يتطاول على العالم، ويفرض إرادته ومشروعاته.

هو يعلم جيّدًا حقيقة هذه اللّغة وما تتمتّع به من قوّة وأصالة، جعلتا منها في الماضي وعاء ثريًّا وقويًّا لبناء الحضارة الإنسانيّة، ومصدرًا كبيرًا للفكر العالمي، أعلامه وأقطابه يعرفون جيّدًا أنّهم وأسلافهم تعلّموا من هذه اللّغة، بروزُها بشكل قويّ من جديد يقوّض كلّ مخطّطاتهم، ويفسد كلّ مشروعاتهم؛ لهذا يرون أنّه لا مفرّ ولا مناص من محاربتها بكلّ الطّرق والوسائل. هاجسهم هذا مبنيّ على معطيات موضوعيّة، إلى جانب معرفتهم الكاملة بخصوبة هذه اللّغة وقدرتها على الإبداع والتّطوير. ّ

هذه القوّة والثّراء اللّذين تتوفّر عليهما اللّغة العربيّة .. ينذران بخطرٍ على الغرب، يبزّ لغاتهم؛ إذا ما أتيح للعربيّة أن تتحرّك بحريّة وطلاقة، فهي لغة حوالي المليار من العرب والمسلمين، الذين يشكّلون رقمًا له وزنه في تحريك الحياة العامّة. أي إن العربيّة هي مرجعيّتهم التي يلوذون بها في الصّدور في نشاطهم وحركاتهم. يقول الدّكتور عبد السّلام المسدّي: "

(1) - المصدر السّابق، ص: 109، 110.

(2) - المصدر السّابق، ص: 96. ينظر تفصيل هذا ص: 96 – 110.

٥١ / ٩١