اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ٥٨

ــــ إنّ مقام اللّغة العربيّة عالميًّا يظلّ ضعيفًا، مادامت الأمّة العربيّة والإسلاميّة لمّا تشكّل قوّة، يكون لها تأثيرها في مجريات الأحداث، ووزنها في تطوّر الحياة، تشارك في صنع القرارات، وتوجيه المسار. وستبقى اللّغة العربيّة بعيدة عن المنافسة، التي تمنحها الاندماج في سيرورة الفكر العالمي، ما لم يحدث في العالم العربي والإسلامي انفجار علمي قويّ، وثورة كبيرة لتطوير اللّغة العربيّة، وتطويعها لتتكيّف مع المستجدّات، واستيعاب المتغيّرات، والتّعبير عنها بدقّة، كما كان لها هذا الدّور في أزهى عصورها، أين أنتجت الحضارة، وأثمرت الفكر القويّ، ما مكّنها من تسنّم قمّة الفكر العالمي.

ــــ رغم ما يُبذل من جهود مشكورة للرّقيّ باللّغة العربيّة، لاسترجاع مكانتها العالميّة، وهي مبادرات صادقة، صادرة ونابعة من الإخلاص والوفاء لهذه اللّغة، ومدفوعة بطموح كبير لخدمتها، وإنصافها، ورغبةٍ ملحّة وجادّة للتّعريف بحقيقتها لغير النّاطقين بها، ليفيدوا منها، كما أفاد من قبلهم بها، حين كانت في أوج قوّتها، وكان أهلها في قمّة العطاء وقوّة الإبداع … إلاّ أنّها تظلّ جهودًا قاصرة عن جعل اللّغة العربيّة لغة عالميّة واسعة الانتشار، فهي كما يقول الدّكتور إبراهيم بن مراد: " لا تحظى من الاهتمام الوطني والقومي، إلاّ بقدر ضئيل، ثمّ إنّها جهود مشتّتة موزّعة، غير موحّدة المناهج، لم تتجاوز بعد مرحلة الاقتراح وإبداء الرّأي في المجال المعجمي. فإنّ قرارات المجامع وأعمالها العلميّة، وفي المصطلحات ليست إلزاميّة. ثمّ إنّ التّعريب ما زال – رغم طول العهد بالإفاقة – بين أخذ وردّ، ورفض مطلق، وقبول مقيّد، وتطبيق مضطرب، قد يضرّ اللّغة ولا ينفعها كثيرًا."(1)

ــــ لابدّ من تأسيس خطاب علمي باللّغة العربيّة، عبر إقامة مشروعات قويّة، ووضع برامج محكمة التّخطيط، تنطلق من رؤية مستقبليّة دقيقة، تستشرف ما يكون عليه العالم بعد حقب زمنيّة بعيدة، يكون مجالات تنفيذها دوريّاتٍ متخصّصةً، وندواتٍ علميّةً مركزّةً، وحلقاتٍ دراسيّةً مكثّفةً، ودراساتٍ وبحوثًا معمّقة، وكلَّ وسيلة تفتح المحال للّغة العربيّة كي تبرز وتنشط وتتطوّر.

نحن نتفاءل خيرًا بمستقبل اللّغة العربيّة، وبرجوعها إلى واجهة النّشاط الفكري العالمي؛ رغم ما تعانيه، ورغم ما ينتظرها من عقبات كثيرة، عليها أن تذلّلها وتتخطّاها، وهي ليست بالهيّنة ولا بالبسيطة؛ لأنّ البذرة التي أخرجت اللّغة العربيّة، ومنحتها الحياة هي قويّةٌ وغنيّةٌ وحيّةٌ؛ لذا فهي قادرة على مزيد الإنبات، وقادرة على تغذيتها، لتبقى حيّة مدى الحياة. ولأنّ الفروع التي أورقت وأزهرت، ثمّ أثمرت اللّغة العربيّة، قابلة للتجدّد، ما يعني أنّ هذه اللّغة تحمل بين طيّاتها عناصر التّطوّر؛ للتكيّف مع كلّ المعطيات والمتغيّرات، لتبقى فاعلة ومؤثّرة في المحيط والسّاحة العالميّة، بدليل رحلاتها عبر العالم، التي حطّت بها في الجامعات الصّينيّة والجامعات الكوريّة، وفي الجامعات والمراكز الأروبيّة والأمريكيّة بقوّة … وحضورها في المنتديات العالميّة. من أمثلة ذلك ما كتبه الدّكتور وليد العناني عن اهتمام بعض المؤسّسات العلميّة والثّقافيّة الأمريكيّة باللّغة العربيّة، وتدريسها فيها؛ لدوافع وأهداف، بيّنها الدّكتور في مقاله(2)

(1) - من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 224.

(2) - المقال بعنوان: " اللّغة العربيّة في أمريكا من الثّقافي إلى الأمني"، ينظر كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 295 – 320. ينظر أيضًا المصدر نفسه، ص: 321 – 329. مقال الدّكتورين سرير إلهام ومحمد مرتاض، بعنوان: " وضع اللّغة العربيّة في الولايات المتّحدة الأمريكية "، عرضا فيه مجموعة من الأسئلة والأطروحات حول اهتمام هذا البلد باللّغة العربيّة، ووضعها الحقيقي فيه.

٥٦ / ٩١