اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ٦١

اللّغة العربيّة مقوّم أساس في الشّخصيّة العربيّة الإسلاميّة، هي حاملة تراث، وناقلة معرفة، وحاضنة ثقافة … أغنت البشريّة، وطوّرت مسارها، وطوّعت نشاطها، أسعفت الغرب – بخاصّة - بنهضته الحديثة في مجالات معرفيّة متعدّدة.

هي تتوفّر على طاقات وقدرات عالية، تمكنّها من تنميّة الفكر الإنساني، وتغذيّة الحضارة الإنسانيّة، وتطوير الحياة البشريّة. وقد أثبتت ذلك في عصور الازدهار، وحين كان أهلها وذووها أقويّاء بعزّتهم وكرامتهم.

هذه اللّغة التي أسهمت إسهامًا كبيرًا في مسيرة الفكر البشري. تصاب اليوم بانتكاسات خطيرة، خسرت بها مكانتها وقيمتها، فلَحِقَتْ بمن ينتسب إليها أضرارٌ جسيمة، ونالت عجلةَ التّنميّة والنّهضة في أوطانها أعطالٌ وأعطابٌ، سبّبت تخلّفًا وتأخّرًا عن الرّكب، أَنْتَجا تبعيّة وانبطاحًا وذلّة وصغارًا، تعدّى الضّررُ إلى خارج محيط المرتبطين باللّغة العربيّة؛ نتيجة تعطّل جزء من مكوّنات العالم والبشريّة.

الجاني على هذه اللّغة هم – في الدّرجة الأولى – ذووها. وهم الضّعفاء والخاسرون. هي قويّة بذاتها، غنيّة في جوهرها، قابلة للبقاء والاستمراريّة للعطاء، متى عنِي بها، وأُقْدِرَت قدرَها. أعلن الكاتب الإسباني " كاميلو جوزي سيلا " الحائز على جائزة نوبل في الأدب سنة 1989م، في تقديراته الاستشرافيّة عن اللّغات الإنسانيّة: " لن يبقى من اللّغات البشريّة إلاّ أربع، قادرة على الحضور العالمي، وعلى التّداول الإنساني، وهي: الإنجليزيّة، والإسبانيّة، والعربيّة، والصّينيّة."(1)

الخروج من هذه الوهدة، والتّخلّص من هذه الانتكاسة ممكن، وإرجاع اللّغة العربيّة إلى جادة الطّريق وسواء السّبيل ليس بالمستحيل، بشرط سلوك الأقوم والأحسن من الخطط والوسائل في سبيل ذلك، واستصحاب الحكمة في التّفكير، والأناة في التّدبير، والتّحلّي بالشّجاعة في اتّخاذ القرارت، والتّسربل بالإرادة والعزيمة في التّنفيذ، والتّحلِّي الصبر ذريعة في التّحرّك … إنّه لن ينجح أيّ مشروع ولن يفلح أيّ تخطيط، ولن يثمر أيّ تفكير، ولن ينتصر أيّ تدبير … ما لم تُفقَه الحقائق الدّامغة الواضحة، ولم تُعالَج المشكلات المعيقة، ولم تُواجه التّحدّيات المثبّطة … إنّ كلّ هذا ممكن؛ لأنّه كما يقول الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان: عند توفّر الإرادة يكون المستحيل ممكنًا، وعند فقدانها يكون الممكن مستحيلاً.

في هذه الصّفحات نحاول تقديم تصوّر لما يجب فعله لتوفير البيئة الصّالحة لتقوم اللّغة العربيّة بعمليّة التّنميّة، وصنع النّهضة، وفعل ما ينتج حضارة … يكون هذا العرض في نقاط مركّزة. إنّي أرى أنّ هذا ما يجب أن يتمّ أوّلاً، ثمّ تأتي الخطط التي تقترح ثانيًّا. فنحن في حاجة إلى ضمان الوعي بما يُعرَض، والاقتناع بما يُقدَم عليه، بعد معرفة الحقائق التي تكشف عن قيمة ما نتعامل معه، وفقه ما هو واجب علينا القيام به بالشّكل الحسن. فإثارة الوعي بدور اللّغة يثمر التّعامل تعاملاً، يرقى بالطّموح الذي يسكن قلوب العاملين المخلصين إلى درجات عالية من النّجاح، ويرتفع بالعمل إلى مستوى المسؤوليّة الكاملة المنوطة بمن يكون في المضمار، يسعى للقيام بالتّنميّة والنّهضة باللّغة. هذه بعض الحقائق في الموضوع.

بعض الحقائق عن اللّغة

(1) - الدّكتور عبد السّلام المسدّي، " الثّقافة العربيّة والعولمة من خلال أنموذج اللّغة "، كتاب: مستقبل الّثّقافة العربيّة في القرن الحادي والعشرين، المنظّمة العربيّة للتّربيّة والثّقافة والعلوم، تونس، 1998م، ص: 321.

٥٩ / ٩١