اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٦٢ـــــــ إنّما الحضارة لغة، " اللّغة هي أضخم عمليّة حضاريّة تنشئ الحضارة، وتتمثّلها وتعبّر عنها، وهي ذات رصيد حضاري، لا حدود له، ولهذا فإنّ نموّ لغتنا وازدهارها وقيامها بدورها الفكري، هو معلم بارز من معالم حياتنا الحاضرة، وطريق أساسي من طرق بناء المستقبل."(1)
ــــــــ باللّغة يفكّر الإنسان ويتعلّم. إنّها هي التي: " تقود عقله وتوجّهه، وبها يستدلّ على السّلوك القويم مع الآخرين، وهي فضلاً عن ذلك تحفظ التّراث الثّقافي للمجتمعات، فهي إذن منظِّمة للعلاقات الاجتماعيّة، ووسيلة التّعامل والتّعاون بين أفراد المجتمع، وأهمّ أدوات الحفاظ على كيانه، ويتبع ذلك أنّها العامل الأوّل في انتشار الثّقافة وتداولها في المجتمعات المتحضّرة، وأنّها من أهمّ مقوّمات الحضارة الإنسانيّة."(2) أي هي أداة للتّفكير، وتلقّي المعرفة.
ــــــــــــــــ يقول الدّكتور عبد السّلام المسدّي: " اللّغة أداة أساسيّة في حركة المجتمع، وعامل فعّال في تهيئة تطوّره المستقبلي. "(3)
ـــــــــ " إنّ عبقريّة الإنسان لا تتجلّى في شيء كما تتجلّى في لغته التّداوليّة المكتسية بالأمومة."(4) فإذا كانت الأمّ تقوم بمهمّة تنشئة الوليد على النّموذج الذي يطلبه المجتمع الذي ينتمي إليه هذا الفرد الصّغير؛ ليكبر على الأصول والمبادئ التي تشكّل شخصيّته الحقيقيّة، فغدَت مدرسة يتخرّج فيها أفراد المجتمع، فإنّ للّغة الوظيفةَ نفسَها في تخريج الأفراد على الفكر الذي ينتمون إليه. يعني هذا أنّ الهويّة مرتبطة كلّ الارتباط باللّغة، قيل كلّ شيء، كالعرق والوطن والدّين والأرض. لذا كانت مهمّة اللّغة خطيرة، فلابدّ أن تتوفّر لها الشّروط الضّروريّة كي تقوم بدورها أحسن قيام. من هذه الواجبات أو الأدوار المنوطة باللّغة النّهوضُ بالمجتمع والتّنميّة، التي تسهم في بنائه على أسس صحيحة، وتقوم على ازدهاره وتقدّمه. فهذا دور كبير وخطير، تضطلع به اللّغة.
هناك شروط يجب أن تتوفّر حتّى يتحقّق القصد، وينال المرغوب، ويحصل المطلوب. هذا ما نذكره في الصّفحات الآتيّة، قبل ذلك نمهّد للموضوع، ونقدّم مجموعة أفكار أو آراء تكون كالآتي:
ــــــــ تتقدّم اللّغة العربيّة بتقدّم أهلها، وتتخلّف بتخلّف أصحابها.
ــــــــ اللّغة هي الأداة الفعّالة في تحريك المشروعات الثّقافيّة والحضاريّة، فاللّغة فكر وإبداع. يقول الدّكتور عبد السّلام المسدّي: " اللّغة سلاح حضاري بأيدينا، فإذا ما زهدنا فيه انقلب علينا، وغدا الرّامي مرميًّا، والقنّاص فريسة."(5)
ــــــــ التحدّي للثّقافة يعدّ تحدِّيًّا للّغة، والعكس صحيح.
ـــــــــ اللّغة أساس التّنميّة الفكريّة والماديّة.
(1) - الدّكتور شكري فيصل، " قضايا اللّغة العربيّة، بحث في الإطار العام للموضوع"، ضمن كتاب: من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، إصدار المنظّمة العربيّة للتّربيّة والثّقافة والعلوم، تونس، 1990م، ص: 32.
(2) - الدّكتور جميل عيسى الملائكة، " اللّغة العربيّة ومكانتها في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة "، المصدر السّابق، ص: 123.
(3) - مستقبل الثّقافة العربيّة في القرن العشرين، ص: 333.
(4) - المصدر السّابق، ص: 332.
(5) - المصدر السّابق، ص: 333.