اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ٨

يعني هذا أنّ للّغة أدوارًا ووظائفَ نفسيّة عاطفيّة، وتربويّة تثقيفيّة، تعمل على ربط الأفراد بالفكر الذي تحمله اللّغة، وتعمد إلى تأصيل الانتماء، وإلى توطيد العلاقة بالأصول، وتغرس روح الحماسة والعاطفة إلى المنابع والجذور في النّفوس … ولأنّ اللّغة كما يقول الدّكتور شكري فيصل: " تحمل ضمير الأمّة وروحها، وتحمل طرائق تفكيرها وتعبيرها، وتؤلّف شرايينها وأوردتها وأعصابها، التي تنقل أحاسيسها وانفعالاتها .. ولذلك يجب أن تسلم لها دائمًا أصولها، حتّى لا تداخلها الهجنة، ولا يتسرّب إليها ما يفقدها خصائصها عن طريق البحوث النّظرية المجرّدة"(1)

فاللّغة هي الفكر والوجدان والذّاكرة الجماعيّة … ؛ إذ هي التي تترجم عن الخواطر، وتنقل الأفكار والمشاعر، وتسجّل حقيقة ما تتميّز به الأمّة، وما تملكه من فكر وثقافة … يقول الدّكتور جميل عيسى الملائكة: " اللّغة كما يقرّر أكثر علمائها لا تقتصر وظيفتها على التّفاهم بين الأفراد، وإنّما تتجاوز ذلك إلى أنّها الأداة التي يتعلّم ويفكّر بها الإنسان، فهي تقود عقله وتوجّهه، وبها يستدلّ على السّلوك القويم مع الآخرين، وهي فضلاً عن ذلك تحفظ التّراث الثّقافي للمجتمعات، فهي إذن منظّمة للعلاقات الاجتماعيّة، ووسيلة التّعامل والتّعاون بين أفراد المجتمع، وأهمّ أدوات الحفاظ على كيانه، ويتبع ذلك أنّها العامل الأوّل في انتشار الثّقافة وتداولها في المجتمعات المتحضّرة، وأنّها من أهمّ مقوّمات الحضارة الإنسانيّة."(2)

بمعنى دقيق: إنّ اللّغة هي عنوان الشّخصيّة التي تميّز أمّة عن غيرها. إلى جانب كونها وسيلة للتّفاهم والتّعليم والتّطوّر، التي تعين أيّ أمّة على الاحتكاك والامتزاج والتّحاور مع الثّقافات والحضارات المختلفة. ومن خلال ما تتمّيز به لغتها تظهر أصالتها وقوّة تأثيرها، أو هشاشتها وضعفها ووهنها …

يقول أحمد الرّيسوني: " وتشكّل اللّغةُ الأمُّ، لُغَةُ التَّنشئةِ والتّعامل حضنًا وغذاءً نفسيًّا وعاطفيًّا لشخصيّة الإنسان. فالمفهوم الأَوَّلِي والبسيط السّائد عن وظيفة اللّغة، بأنّها أداةٌ للتّواصل والتّفاهم بين النّاس فحسب، هو جزء من الحقيقة، وليس كلَّ الحقيقة. ووصف اللّغة بعبارة (اللّغة الأمّ) هو التّعبير الحقيقي الصّادق عن دور اللّغة ووظائفها. فاللّغة (الأمّ) تعني أنّ للّغة وظائف كوظائف الأمّ."(3)

إذا كانت الأمّ تقوم بمهمّة تنشئة الوليد على النّموذج الذي يطلبه المجتمع الذي ينتمي إليه هذا الفرد الصّغير؛ ليكبر على الأصول والمبادئ التي تشكّل شخصيّته الحقيقيّة، فعدّت مدرسةً، يتخرّج فيها أفراد المجتمع، فإنّ للّغة الوظيفة نفسها في تخريج الأفراد على الفكر الذي ينتمون إليه. يعني هذا أنّ الهُويّة مرتبطة كلّ الارتباط باللّغة قبل كلّ شيء كالعرق والوطن والدّين والأرض. من هنا كانت مهمّة اللّغة خطيرة. فلابدّ أن توفّر لها الشّروط الضّرورية كي تقوم بدورها أحسن قيام.

لأهميّة اللّغة ودورها الأساس في تشكيل الشّخصيّة، والبناء الحضاري، كانت مسألة اللّغة مرافقة لبداية الوجود البشري على الأرض. يقول أحمد الرّيسوني: " ولحكمة ما أرادها الله تعالى كانت المسألة اللّغويّة حاضرةً منذ اللّحظة الأولى لخلق الإنسانِ، فكان أوّل تعليم ربّاني تلقّاه الجنس البشري هو اللّغة والبيان، حتّى قبل أن يتعلّم آدم كسب

(1) - ينظر المصدر السّابق، ص: 38.

(2) - الدّكتور جميل عيسى الملائكة، " اللّغة العربيّة ومكانتها في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة "، ينظر المصدر السّابق، ص: 123.

(3) - مجلّة إسلامية المعرفة، عدد: 49، ص: 5.

٧ / ٩١