اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٩قوته، أو عبادة ربّه، أو ستر عورته. ﴿وعَلّمَ آدَمَ الأسماءَ كُلَّها﴾ (البقرة/ 31). ﴿الرّحمن عَلَّمَ القُرْآنَ خَلَقَ الاِنْسَانَ عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ (الرّحمن/ 1 – 4). وأقلّ درس يستفاد من هذا، هو أنّ للّغة وظيفة أساسيّة وعاجلة في حياة الإنسان"(1)
اللّغة العربيّة لن تخرج عن هذا المفهوم والتّقدير للّغة، فقد أثبتت أنّها في درجة القوّة التي تحمل فكرًا كبيرًا قويًّا أصيلاً، وأنّها في مستوى المسؤوليّة التي أنيطت بها في الكشف عن هذا الفكر الذي تحتضنه، وأنّها وفيّة للأصول التي تنتمي إليها: تعبيرًا عنها، ونقلاً لما تفرزه هذه الأصول، ونشرًا له، ومحافظة على الإرث الذي أبدعته. وقد أثبتت إيفاءَها بما علّق عليها من مسؤوليّة في توثيق الصّلة بهُويّة الأمّة الإسلاميّة. يقول جميل عيسى الملائكة: " وقد كانت اللّغة العربيّة، وما زالت وثيقة الأواصر بهُويَّة هذه الأمّة ووجودها وشخصيّتها وخصائصها، فقد وعت منذ أمد بعيد تكوين الأمّة الحضاري، وواكبت تطوّر تراثها الثّقافي في العلوم والآداب والفنون والتّشريع والفلسفة، وتعهّدت نقله من جيل إلى جيل، عبر العصور. فهي قلب الأمّة النّابض وجهازها المحرّك."(2)
في المعنى نفسه يقول الدّكتور عبد المجيد حنون: " ومن هذا المنطلق كانت اللّغة العربيّة الرّباط الذي جمع قديمًا قبائل متعدّدة، وهي اليوم الرّباط الذي يجمع شعوبًا مختلفة الأعراق، متنوّعة الأنظمة السّياسيّة، ومتباعدة جغرافيًا في هويَّة واحدة، أساسُها اللّغة العربيّة، تسمّى الأمّة العربيّة، بما في ذلك بلدنا الجزائر."(3)
اللّغة العربيّة تشكّل عنصر الارتكاز في الكيان العربي والإسلامي، وبؤرة انصهار عناصر تكوين الأمّة العربيّة والإسلاميّة، ومحور انبعاث أشعّة الوجود العربي والإسلامي، من دونها لا تكون لهما حياة ولا حسّ. ومن هذه الأشعّة يتحرّك الوجود كلّه. من هنا كانت الأمّة العربيّة الإسلاميّة تلتفّ حول اللّغة العربيّة، جاهدة في المحافظة على وحدتها. يقول الدّكتور محمّد خليفة الدّناع: " وأهمّ ما يميّز هذه الأمّة أنّها تتعامل بلغة واحدة: عقيدة وسلوكًا وبحثًا وتدريسًا. فلغة التّراث، ولغة القرآن، ولغة الدّرس، ولغة الحديث واحدة، أو يجب أن تكون واحدة؛ رغم اختلاف البقاع وتشتّت الأقطار بعوامل سياسيّة استدماريّة عبر حقب التّاريخ، إلاّ أنّ رابطها اللّغة العربيّة التي حاول الاستدمار أن يطمسها ويمحو معالمها. "(4)
إذا كان للّغة العربيّة هذا الدّور المهمّ، في وضع القاعدة الأولى في بناء الصّرح الحضاري للأمّة العربيّة والإسلاميّة، فإنّ الالتفاف حولها وحمايتها وتطويرها مسؤوليّة كبيرة، يتوقّف عليها البقاء وفرض الوجود، ومقاومة الاستلاب، وضمان مكان في حلبات الصّراع والقراع، والنّزال والنّضال، التي هي سمة من سمات العلاقة بين الثّقافات والحضارات. لا يفوز ولا ينتصر في هذه المعارك إلاّ من تشبّع بمقوّماته وتشرّبها، وتسلّح بها وتحمّس لها، وانطلق في حياته وبناء فكره منها. يقول الدّكتور صالح الخرفي: " إنّ فوز الأمّة العربيّة في معركة الهويّة الثّقافيّة متوقّف على
(1) - المصدر السّابق، ص: 6.
(2) - ينظر المصدر السّابق، ص: 123.
(3) - الدّكتور عبد المجيد حنون، ينظر كتاب: اللّغة والهويّة والتّعدّدية اللّسانيّة "، نشر المجلس الأعلى للّغة العربيّة (الجزائر)، نوفمبر 2006م، ص: 88.
(4) - الدّكتور محمد خليفة الدّناع، " العربيّة الفصحى رباط قومي"، ينظر كتاب: من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 158.