اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٧٦بسم الله الرّحمن الرّحيم
عذْرًا أُستاذي ورجاءً .. !!(1)
كتبت لي طالبة في ورقة الإجابة في الامتحان العبارة الآتية: " أستاذي راعني في التّصحيح، فإنّي في المرحلة الثّانوية كنت أدرس في القسم العلمي، وأنا أجد صعوبة في الأدب العربي".
فَحْوَى هذه العبارة أنّ الطّالبة تعاني ضعفًا في اللّغة العربيّة التي تدرس بها في قسم اللّغة العربيّة التي تنتمي إليه. وتشكو وهنًا في اللّغة التي تتّصل بِها بسبب. ودلالتُها أنّ الذي يدرس ويتعلّم علومًا غير مادة اللّغة العربيّة غير مَعْنِيٍّ بإتقان لغته القوميّة، وغير مطالب بالاحتفاء بأحد مقوّمات شخصيّته. والشّيخ ابن باديس يقول: " إنّ التّهاونَ والخطأَ في الهويّة والشّخصيّة الإسلاميّة يعدّ كفرًا."
تأمّلتُ عبارة الطّالبة، وتدبّرت عذرها، وتفحّصت رجاءَها وقرأت كلماتها قراءة متأنيّة متقطّعة … فقلت في نفسي هل هانت على النّاس لغتُهم حتّى صاروا يطلبون الإعفاء عن إتقانها؟ هل ذلّت نفوسهم حتّى باتوا يعتذرون عن الاحتفاء بها؟ هل ضاقوا بها ذرعًا حتّى انقبضت قلوبهم عن تحمّلها؟ هل جفّ وجدانهم حتّى تنكّروا لها؟ وجفاء ذوي القربى أشدّ ضررًا وإيذاءً على النّفس من وقع الحسام المُصلَت.
لغتنا في أرضها غريبة، وبين أهلها مهينة، ومن القائمين عليها مهمّشة، ومن أقامها وضعها على أرض هشّة، لم تعد تجد من بنيها اهتمامًا ولا تقديرًا. بل وَصمُوها بالعقم، ووصفوها بالتّخلّف، وَوسَمُوها بالغريبة عن زمانها، وغير المنسجمة مع العصر … إذن لا جدوى منها، فلترحل عن الوجود، ولتلبس الكفن ولتدخل قبرها، أو تركن في متحف حفظ التّحف القديمة. إنّ الزّمان المتقدّم لم يعد يتحمّلها، والعصر المتطوّر لا يطيق مُواكبتها، والتّقنيات الحديثة لا تنسجم معها، والمخترعات الجديدة لا تقبل بها وعاءً. والإدارات لا ترضى بها لغة للتّبليغ والتّواصل. والشّارع لا يبغي لها حضورًا. والسّاسة الكبراء لا يقبلون بها عنصر سيادة. والسّادة الفضلاء لا يرعون لها حرمة. والمحافل العامّة
(1) - الطّالبة تدرس في قسم اللّغة العربيّة وآدابها، كليّة الآداب، جامعة باتنة، الجزائر ..