اهتمامات اللغة العربية وهمومها محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اهتمامات اللغة العربية وهمومها

الجزء ١ · صفحة ٧٧

تستنكف من حضورها. والمجامع الخاصّة تستثقل وجودها …

تجرّعت هذه اللّغة كؤوسًا من الهوان والإهانة والشّتم، وشبعت وتخمت من ألوان الضّير والظّلم والضّيم؛ حتّى تعقّدت، ونعتْ نفسها عند المتأخّرين، بعد ما كانت قد أينعت عند المتقدّمين، فردّدت على لسان حافظ إبراهيم:

رجعتُ لنفسي فاتَّهمتُ حصاتي … وناديتُ قومي، فاحتسبتُ حياتي

رَمَْوني بعقمٍ في الشّباب فليتني … عقمتُ فلمْ أجزعْ لقول عُداتي

لماذا كلّ هذا الجفاء لَها؟ لماذا كلّ هذا التّنكيل بها؟ لماذا كلّ هذا الإجحاف في حقِّها؟ لماذا كلّ هذا الإعراض عنها؟ لماذا كلّ هذا التفنّن في إذلالها وتهميشها وإبعادها عن حياة النّاس؟ لماذا كلّ هذا الكيد لها؟؟ ثمّ تلبيسها تهمة عدم قدرتها على العيش في عصر التّطوّر والتّقدّم، وعدم التّمكّن من الحياة في انسجام مع تغيّرات الزّمان وتحوّلات المكان …

ألأنّها اللّغة التي حملت كتاب ربّ العالمين؟ أمْ أنّها اللّغة التي أثبتت جدارتها في زحزحة كلّ فكر دخيل هجين، لا يقوى على الصّمود والتّحدّي والتّمكين؟ ألأنّها اللّغة التي تطرد الرّداءة في التّفكير، والرّدّة في التّدبير، والتردّي في التّعبير؟ ألأنّها اللّغة التي صاحبت آخر الرّسالة النّاسخة لما سبقها، والمهيمنة على العالمين؟ ألأنّها اللّغة التي لم تستطع أيّة لغة أخرى أن تلحق بها قوّةً أصالةً ومرونةً وطواعيّةً للتّكيّف مع المتغيّرات، واحتواءً المستجدّات؟ ألأنّها اللّغة التي لم تقدر الضّفادع المنقنقة المزعجة في بِركها المتعفّنة أن ترتفع معها إلى مصاف عذوبة حوضها؟ فسُعِيَ إلى الكيد لها، كما تفعل المرأة القبيحة مع الحسناء الجميلة، حين لا تستطيع مجاراتها في زينتها وجمالها؟ ألأنّ هذه الأصوات زعانف لا تملك أصالة وانتماء واضحًا، فقامت ودبّرت وفكّرت وقدّرت وعبست … ورأت أن لا سبيل إلى الإطاحة بهذه اللّغة سوى تشويهها والتّشويش عليها؟؟ …

لقد كال المغرضون للّغة العربيّة، وكادوا لها كيدًا، واستوفوا في مكاييلهم، واشتطّوا في كيدهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وساعدهم على ذلك المنحرفون والمرجفون من أبناء اللّغة العربيّة المحسوبين عليها. ومظاهر الانحراف باللّغة العربيّة كثيرة، والانحراف عن سواء الفطرة، والانحراف بالعقل السّليم والتّفكير السّديد متعدّدة. نذكر بعضها:

إذا تقدّم شخص ليسحب مبلغًا من المال من بعض المراكز البريديّة، جُوبِهَ برفض طلبه أو يكونَ مكتوبًا باللّغة الدّخيلة، التي أذلّت الشّعب حقبًا من الدّهر كان مذكورًا، وأَرَتْهُ ألوانًا من القهرِ. فصاحبُ الرّفض أو القرار يرى الشّهامة في ركوب قطار التّبعيّة والرّضوخ لمن قهر السّيادة، وحطّم الإرادة، وتسنّم في ذلك القيادة.

إذا فتح أحد دكّانًا رأى أنّ خير لغة تجذب له الزّبائن، وتضمن له الأرباح وتملأُ الخزائن، هي اللّغة التي لا تمتّ إلى القرآن والأصالة بسبب، فعليه أن يُهيّئ لافتة الواجهة، ويتفنّن في إعدادها وزخرفتها بغير لغته ولغة أجداده؛ لأنّها –

٧٥ / ٩١