اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٨٢من المسؤول عن هذا التّردّي والرّدّة والرّداءة؟! من هو الجاني على شخصيّة الجزائر، التي تأبّت على كلّ من حاول النّيل منها من غير أبنائها ونابِتَتِها؟ أتنالُ الذّلّ والهوان ممّن خرج من رَحمِها، فما رعاها ولا رَحِمها؟! إنّ ظلم ذوي القربى أشدّ غضاضة على النّفس من وقع الحسام المهنّد. وهل نقول: إنّ ما يحدث في السّوق هو من باب ما قاله الخليفة عمر بن عبد العزيز: يُجلَب إلى السّوق ما يَنْفُقُ فيها؟.! أي السّوق تستجيب لمطالب روّادها. فما دام المواطن الجزائري يريد هذه الأشياء الموجودة في السّوق فلتيزوّد بها؛ ليقضيَ مآربه، ويبلغ أهدافه، ويحقّق مصالحه .. فلا معنى للتّفكير خارج هذا المجال، ولو على حساب الأصالة والهويّة … واحسرتاه على هذا التّفكير وعلى هذا المعتقد والمنهج في الحياة!!
إنّ الجزائر الحبيبة ذات القدر الكبير في تاريخها وإمكاناتها الطّبيعيّة والبشريّة، ظلّت متأخّرة في المدنيّة الحديثة، وفي توفير الجماليّة لأبنيتها، والقيمة الحضاريّة لهياكلها. فالحدائق الجميلة المهيّأة التي توفّر المتعة والرّوعة والرّاحة للمواطنين غير متوفّرة. والمساحات الخضراء الموشّاة بالألوان الزّاهيّة التي تبعث الانشراح في قلوب المارّة غير موجودة. والمراكز التّجاريّة الكبيرة التي تتوفّر على مختلف حاجات النّاس المعاشيّة اليوميّة منعدمة …
إنّ المواطن الجزائري يعيش غربة حضاريّة، وعزلة عن الحياة المريحة؛ بسبب غياب هذه الهياكل والمظاهر عن حياته في بلده. بينما يراها متوفّرة في بقيّة البلدان في العالم. يحزنه ذلك ويؤلمه، ممّا يجعله لا يحتفي ولا يقدر بلده حقّ قدره. واحسرتاه على وطن جليل في قدره، عريق في تاريخه، كبير في إمكاناته، جميل في طبيعته … ولا يظهر ذلك في هياكله وأبنيته ومظاهر الحياة فيه!!
أنشئت في الجزائر بعض الهياكل الحضاريّة الضّخمة الجليلة، وبنيت بعض المعالم المدنيّة الجميلة، فاستبشرنا خيرًا، وهلّلنا وطربنا وانتشينا؛ لأنّنا حللنا عقدة عدم تمكّننا من مسايرة ركب التّطوّر الذي يسود العالم كلّه، حتّى الدّول التي تبدو صغيرة في حجمها ومكانتها. وفرحنا وسررنا؛ لأنّ التّخلّف والتأخّر اللّذين لازما حياتنا يكونان قد ذهبا إلى غير رجعة، ذَهَبَا مع من يريد أن تبقى الجزائر العزيزة في أسفل سافلين، كما ذهب الحمار بأمّ عمرو .. فقلنا: لا رجع البؤس واليأس والتأخّر، ولا رجع من كرّسه في الجزائر.
لكن سرعان ما أصبنا بانتكاسة وإحباط؛ إذ سقطت هذه الهياكل أرضًا واندحرت بأفعال من لا يرقبون في الله إلاّ ولا ذمّة. فعاثوا فيها فسادًا: تخريبًا لبنيانها، وتهريبًا لسلعها، ومساسًا بجمالها، وتعطيلاً لمرافقها .. فعادت الأمور إلى نصابها، والنّفوس إلى طبائعها … فحرمنا من هذه المكاسب الحضاريّة الرّائعة في منافعها الماديّة والمعنويّة … فقلت واحسرتاه على انعدام القيم والمقوّمات التي ترقى بنا إلى مصاف الدّول التي تحترم نفسها، وتحافظ على مكاسبها، وتطلب مزيدًا منها.
هذه الأشجان وهذه الأحزان ولّدتها في جَناني المظاهر التي مرَرْتُ عليها، أو مرّت بي في نزهتي التي قادتني إلى المركز التّجاري " أَرْديس" في يوم الرّاحة، وتهدئة الأعصاب، ونسيان الهموم، وطرد الغموم، وطرح الأتعاب. في يوم التّرويح عن النّفس، وتجديد النّشاط، والتّزوّد بالطّاقة النّفسيّة لمواصلة العمل الرّوتيني، والنّشاط الرّاتب كامل أيّام الأسبوع.
لا سامح الله الشّعور الحادّ، والحسّ المرهف، والضّمير اليقظ، والوجدان المتوتّر .. فكلّ واحد منه فعل في النّفس ما فعل، فأضاع عليّ فرصة الاستمتاع بيوم الرّاحة، وفوّت عليّ الإفادة من الجولة في يوم يختلف عن أيّام الأسبوع .. عفوًا!! بل شكرًا لله أن وهب لي الفرصة لأريح نفسي، وأزيح عنها الضّغط النّفسي بإخراج ما في القلب من كمد ممّا يحدث لوطني