اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٨١حلّ يوم الجمعة فخرجت مع أسرتي في نزهة وفسحة لنقوم بجولة في أحد معالم الحياة الجزائريّة الجديدة في العاصمة. المركز التّحاري " أرديس ". المعلم الذي منح الجزائر الغالية فرصة لتلتحق بركب التّمدّن والتّحضّر، والظّهور بمظهر يليق بمكانة العواصم الكبرى في العالم. نحن في الجزائر – والأسى والحسرة يملآن قلوبنا _ نقرّ أنّنا نفتقر إلى معالم تثبت أنّنا شعب متقدّم، وأنّ فضاءاتنا تملك مقوّمات الحضارة في الوقت الحاضر؛ لذا فقدت هيبتها عند أبنائها، ولم تَحْظَ بتقدير غيرها واحترامها.
جولتنا في المركز وما حوله أثارت وجدي، وحرّكت مشاعري، وهيّجت إحساسي، وملأت قلبي أسى وحسرة … على ما رأيت وسمعت، وما شاهدت وعاينت ..
رأيت مساحة كبيرة فيها من المنتوجات، ما كان يخطر ببالي أنّ الجزائر تملك سوقًا كبيرة بهذا الحجم! وما كنت أدري أنّ في زوايا مراكزها هذا الكمّ الهائل من السّلع المتنوّعة! ولكن هالني وراعني أن أرى إنتاج بلدي مغيّبًا في هذا الفضاء؛ لأنّ أغلب البضائع المعروضة فيه مستوردة من شرق العالم وغربه .. فالعالم حاضر في أرض الجزائر، إلاّ هي فمغيّبة في أرضها، إذن هي تعيش الغربة في ترابها!!
كيف يكون مستقبل اقتصاد الوطن؟! كيف يمكن الاستثمار في مقدّرات الوطن؟! كيف تكون أفكار أبناء الوطن؟! كيف نضمن الاستمراريّة والوجود لهذا الوطن الكبير في خضمّ الصّراع على البقاء، الذي لا يكون إلاّ للأقوى في الإنتاج في كلّ الميادين؟! كيف .. وكيف؟؟
شاهدت مفارقات ومتناقضات ومنغّصات ومقلقات ومزعجات في هذا المركز. الجزائر بلد عربي، لكنّ العربيّة غائبة تمامًا فيه، فيما يعرض، وفيما يرى، وفيما يسمع … عناوين المحلاّت والأجنحة مكتوبة بلغة من سلبنا حريّتنا، وسرق خيراتنا، وتطاول علينا، وأهاننا في الماضي، ويهيننا في الحاضر، ويريد أن يحطّم مستقبلنا. الإعلانات تقدّم بلسان من داس على كرامتنا، وأجهز على مقوّماتنا، وجعلنا مسلوبي الإرادة في التّحكّم في تدبير أمورنا، وتركنا نعيش التّذبذب في وضع رؤى واضحة لمستقبلنا، إلاّ ما يريد توجيهنا إليه. مثلا: إذا جئت لتعاين الأجهزة الإلكترونيّة، كالحواسيب وأجهزة الهاتف .. لا تجد حروفها وأرقامها إلاّ صارخة في وجهك وصاخّة في مسمعك: إنّ الكتابة لا تكون إلاّ بالحروف اللاّتينيّة، لا مكان في حياتك للّغة العربيّة: كتابة ونطقًا وسماعًا .. فكيف ينشأ ناشئ الفتيان منّا وفينا؟! أينشأ عربيًّا مسلمًا وطنيًّا؟ أم يكبر على ما تثمره لغة موليير وشكسبير؟؟
الأغاني التي تصكّ بها آذان الزّائرين والقادمين إلى المركز غربية الكلمات والألحان. فهل يراد للشّعب الجزائري أن يتحوّل إلى قبلة غير قبلة فكره؟ هل عقمت الجزائر من الألحان الأصيلة والمتجذّرة في أعماق ثقافتة، فيوجّه إلى سماع هذه الأغاني؟
الأحاديث التي تدور بين من هو بداخل المركز: زوّارًا وعمّالاً خليط وهجين من لغات مختلفة، تغلب عليها وتطغى الكلماتُ الفرنسيّة، وتظهر من بينها باحتشام كلمات عربيّة، أحيانًا مكسّرة في حروفها، مهشّمة في بنيتها .. هل اللّغة العربيّة غريبة عن هذا الوطن الحبيب؟! واحسرتاه على الأصالة والشّهامة والكرامة!! وَوَاأسفاه على العزّة والإباء والأنفة!!