اهتمامات اللغة العربية وهمومها
الجزء ١ · صفحة ٩٢الخلاصة
هذه مجموعة من الأعمال التي حرّرناها في موضوع اللّغة العربيّة، وقد حصرناها في جانبين: الاهتمامات والهموم .. وقد انقسمت إلى قسمين: قسم غلب عليه طابع الدّراسة والبحث والتّحليل والنّقد .. وتقديم ملاحظات، وعرض رؤى، وتسجيل استنتاجات .. وقسم أخذ سِمة الانطباع، وبثّ المشاعر، ونقد الأوضاع، وتقويم علاقة أبناء اللّغة العربيّة بها .. وقد كانت النّتيجة أنّ اللّغة العربيّة تشكو عقوقًا من أهلها وذويها، وتتألّم لِما لحق بها من أبنائها ورجالها من الأذى الشّديد، ومن أعدائها من الظّلم المديد .. هذه اللّغة التي لم تجد لعرائسها رجالاً وأكفاء، فكادت تَئِدُ بناتها .. لذا فهي تطلب القيام من هذه الكبوة، وتجاوز هذه الهفوة، والتّخلّص من هذه النّبوة ..
وجدت في نداء الشّيخ حمّو بن عمر فخّار (ت 1426ه/ 2005م) ما ينبّه ويحرّك الهمم، لتقوم بواجب نصرة اللّغة العربيّة، فارتأيتُ أن يكون مسكَ الختام للخواطر والمشاعر التي سردناها في الصّفحات السّابقة. هذا النّداء يحمل همّ التّفريط في اللّغة العربيّة، وينقل اهتمامها ممّا أصابها من الظّلم والحيف والتّهميش والتّحقير …(1)
يقول الشّيخ حمّو: " … وبعد! فإنّ أوّل ما يجب أن يكون شعار مجلّتنا (مجلّة الحياة) الوليدة نصرة اللّغة العربيّة، التي نزل بها الرّوح الأمين على قلب محمّد - صلى الله عليه وسلم - ليكون من المنذرين، بلسان عربيّ مبين. لحكمة بالغة اختار مولانا جلَّ وعلا صياغة كلامه لآخر أمّةٍ وآخر رسول، بلغة العرب الأقحاح؛ رغم اختلاف ألسنة خلقه وألوانهم: ﴿ … إنَّ في ذلك لآياتِ للعالمين﴾ (الرّوم/22) ﴿ … وليَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ ينْصُرُه إنَّ اللهَ لَقوِيٌّ عزيز﴾ (الحجّ/ 40)
وإنّما أهيب بالأبناء لنصرة العربيّة؛ لأنّ أجيالاً في العرب شرقًا وغربًا قد نشأت في أميّةٍ بها. بعضهم يجهلها بتاتًا، وبعضهم يعرفها ويتنكّر لها عمدًا، والبعض يهجوها هجوًا، سرًّا وجهرًا، وأخفّهم عداوةً من لا يقيم لها وزنًا. فسيّان عنده أن يخلطها بلغة الشّارع أو لغة المستعمر، فضاعت في هذه الأخلاط بين سمعنا وبصرنا لغة الضّاد. ولولا ضيق المقام لاستعرضنا لذلك أمثلة تقضُّ المضاجع، وتؤرّق العيون،. إنّها لفي تلوُّثٍ أدهى من تلوُّثِ المحيط، وأعتى من التّصحّر والانزلاق، ولانقراض في الأرض والشّجر والحيوانات البريّة.
ذلك أنّ التّسيّب في لغتنا الوطنيّة – وهي من الثّوابت الأصليّة – سيؤدِّي حتمًا عاجلاً أو آجلاً إلى طمسها، وطمس معالمها في الدّستور والمدارس والدّواوين. ولو كان يقف هذا التّيّارُ الجارف عند هذا الحدِّ لهان الأمر، إنّه القضاء المبرم على الدّين الإسلامي، في أرض الرّستميّين أنصار الله ودينه، منذ حلّوا بالجزائر دعاةً فاتحين. ويعتبرهم أعداء الإسلام غازين مستعمرين. ولقد استشرى مع الأسف الشّديد فاحش الأخطاء في العربيّة، حتّى في بعض حملة الشّهادات، من أبناء الإسلام الأصلاء.
ما حيلةُ الرِّيحِ، إِذا منْ داخِلٍ … هَبَّتْ، وفُلْكٍ أُرتِيَتْ من سَاحِل
(1) - هذا النّداء جاء في آخر المقال الافتتاحي الذي صدّر به الشّيخ حمّو العدد الأوّل من مجلّة الحياة، التي يصدرها معهد الحياة وجمعيّة التّراث (القرارة، ولاية غرداية، الجزائر). بتاريخ: رمضان 1418هـ/ حانفي 1998م. ينظر ص: 7 – 11.