Alsaidia_400_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٢٢وبالرغم من أن الفترة الأولى من هذا العصر كانت فترة تأسيس، فإن العباسيين اتجهوا إلى تأمين حدودهم، أكثر من التفكير في توسيعها (2)، وبالتالي فإنهم اتبعوا سياسة سلمية مع القوى
()
المجاورة خاصة في الشرق، حتى يتفرغوا لحل مشكلاتهم الداخلية في العالم الإسلامي) اتضحت التوجهات السياسية العباسية منذ البداية صوب المشرق خاصة إلى بلاد التركستان وعالم المحيط الهندي، وكان ذلك من خلال إنشاء مدينة بغداد لتكون عاصمة لدولتهم (4)، وهي التي أنشأها المنصور. وقد اكتسبت المدينة أهميتها من موقعها الاستراتيجي على طول الطرق التجارية القادمة من أواسط آسيا عبر فارس إلى بلاد الرافدين (5)، وكان الخليفة العباسي مدركاً للميزات الاقتصادية والإستراتيجية التي ستترتب على موقع عاصمته الجديدة، يظهر ذلك في العبارة التي وردت على لسانه في هذا الصدد: «وإلا فجزيرة بين دجلة والفرات مشرعة للدنيا، كل ما يأتي في دجلة من واسط والبصرة والأبلة والأهواز وفارس وعمان واليمامة والبحرين وما يتصل بذلك فإليها ترقى وبها ترسي» (6).
هذا بالإضافة إلى عدة مميزات أخرى للعاصمة من مناخها الجيد وتوسطها للسهول الخصبة، فصارت امتداداً لأهمية بابل في العصور القديمة في علاقاتها مع الشرق عبر سواحل الخليج العربي (7). كما كانت استمزاراً لأهمية المدائن، عاصمة الدولة الساسانية، وقد كانت كلتا العاصمتين السابقتين وهما بابل والمدائن، تتجه في سياستها الخارجية إلى احتكار التجارة العالمية برية وبحرية، ولما كانت دولتها تسيطر على أجزاء من الطرق البرية فإن الأمر اضطرهما إلى الإتجاه إلى السيطرة على سواحل الخليج العربي (8).
وكانت عبارات المنصور التي قالها حينما وقع على موقع عاصمته الجديدة «ليس بيننا وبين الصين شيء يأتينا منها كل ما في البحر» (1)، أي أن اتجاه العاصمة كان اتجاهاً بحرياً تجارياً (10) بحثاً، وكان العصر العباسي يمثل في حد ذاته قوة جديدة دفعت التجارة البحرية العالمية إلى الإمام (11)، فهي متصلة بعالم وسواحل المحيط الهندي وبالتالي بالساحل الشرقي
لافريقية وجنوبي شرقي آسيا وجزر تلك المناطق وأخيراً بالسواحل الصينية.
وتأتي أهمية الشرق عامة للعباسيين في أمرين هما: الأول: أن العصر العباسي كان امتداداً للعصر الساساني (12)، وكان الفرس أصحاب فضل كبير في إظهار دولتهم، ونشأ عند الخلفاء العباسيين منذ البداية شوق إلى استطلاع النظم الفارسية وتشريعات الساسانيين رغبة في محاكاتهم، كما شجعوا امتزاج رعاياهم في وحدة إسلامية لسانها العربية، حتى أصبحت الوثائق التي ترجع إلى العصر العباسي وتذكر مصطلح المسلمين أكثر مما تشير إلى الفرس أو العرب (13).
الثاني: الإتصال بالتجارة القادمة من الصين والمحيط الهندي، والتي كانت تمثل مورداً هاماً للسلع التي تحتاجها الدولة الإسلامية، والغرب الأوروبي أيضاً. وأصبحت سواحل الخليج العربي تمثل أهمية خاصة في نظر السياسة العباسية منذ البداية
- 222 -