الشيخ عمروس
الجزء ١ · صفحة ٩٦الشيخ عمروس ومنهجه
فغدت الدولة الرستمية في ذلك الوقت كما يقول الأستاذ ابن تاويت الطانجي: " مشعلا عظيما للحضارة والعلم في الشمال الأفريقي فكانت تلي القيروان في ذلك. (1)؛ ولقد كان شغف الأئمة الرستميين بالعلم كبيرا، فاهتموا بتعلمه حتى برعوا في شتى فنون العلم، ومن ثم بدأوا بالعطاء والتعليم، وإنشاء المؤسسات العلمية على أحدث الأساليب المتبعة في ذلك الوقت، فغدت تيهرت وبقية ولايات الدولة الرستمية وبالأخص جبل نفوسة مقصد طلاب العلم ومريديه، حيث أن الدولة الرستمية أصبحت تزخر بالعدد الكبير من العلماء في شتى فنون العلم، وليس هذا فحسب بل ومن مختلف المذاهب الإسلامية كما سنرى.
ودليل شغف أئمة الدولة الرستمية بالعلم وحبهم له ولنشره، إهتمامهم بتعلمه وإتقانه منذ السنوات الأولى من حياتهم، فالإمام عبد الرحمن بن رستم - المؤسس للدولة الرستمية – هاجر في سنوات عمره الأولى وقبل أن ينشئ الدولة الرستمية إلى البصرة ميمما شطر البحر - في ذلك الوقت – الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، فظل خمس سنوات ينهل من علمه في سردابه الذي أعده خصيصا لذلك،
(2) - الفرد بل، الفرق الإسلامية في الشمال الأفريقي من الفتح العربي حتى اليوم، ترجمه عن الفرنسية: عبد الرحمن بدوي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 3: 1987 م، ص 149. (1) ? ابن تاويت الطائجي، دولة الرستميين أصحاب تاهرت، صحيفة معهد الدراسات، مدريد، مه، ع 1 - 2، ص 126 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 261
"
هو الإمام الكبير المحدث الحافظ الثقة الثبت الزاهد المجاهد أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي - بالولاء - كان مولى العروة بن أدية التميمي - رحمه الله تعالى -، وقيل إن اسم أبيه كورين، وكني بابنته عبيدة، وقد اختلف في أصله كما ذكر الشيخ القنوبي نقلا عن سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي - حفظه الله تعالى -، فقيل: حبشي، وقيل: فارسي، وقيل: كردي، ولد بالبصرة سنة 45 هـ أو بعدها بقليل كما رجح الشيخ القنوبي، نشأ في البصرة، وأخذ في طلب العلم لا سيما الحديث والفقه، قال الشيخ القنوبي: " … وداب في طلب العلم، لا سيما الحديث والفقه فقد تفنن فيهما وبرع وفاق فيهما أهل عصره أو اغلبهم " إهـ؛ وقد عاش في مبدأ امره في كنف شيخه ومولاه عروة بن ادية، فورث عنه شجاعته وزهده وتقواه، ثم انتقل إلى الإمام جابر بن زيد رضي الله عنه، فأخذ عنه الحديث والفقه والسياسة، ثم خلفه بعد وفاته في رئاسة المذهب الإباضي فدرس الطلبة وارسلهم إلى البلدان الشاسعة لتعليم أهلها ولإقامة العدل فيها متى أمكن ذلك، وناظر المخالفين فأقام عليهم الحجة، وأوضح لهم المحجة، كما ذكر الشيخ القنوبي. ذكر أنه مكث في طلب العلم اربعين سنة، ثم مكث بعد ذلك في التعليم أستاذا أربعين سنة، وقد تعرض للسجن من قبل الحجاج بن يوسف الثقفي، بسبب نشاطه الدعوي، فلم يخرج من السجن حتى هلك الحجاج سنة 95 هـ، وقد أنشأ مدرسة في سرداب قرب البصرة بعيدا عن عيون بني أمية، وإمعانا في التمويه ادعى صنع القفاف وتعليمها حتى سمي بالقفاف، واستطاع أن يقيم ثلاث دول للإباضية وهي دولة الإمام طالب الحق في اليمن والحجاز، ودولة الإمام الجلندى بن مسعود في عمان، ودولة الإمام أبي الخطاب المعافري في إفريقية؛ وذكر الإمام السالمي - رحمه الله تعالى - أن أبا عبيدة أدرك من أدركه الإمام جابر بن زيد، فروايته عن الإمام جابر رواية تابعي عن تابعي، وقد روى عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وأبي هريرة وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعائشة أم المؤمنين - رضي الله عنهم -، وروايته عنهم بعضها موجود في مسند الإمام الربيع
بن حبيب
أخذ العلم عن جماعة من صحابة رسول الله، وعن جماعة من التابعين كجابر بن زيد والحسن البصري وابن سيرين و مجاهد وضمام بن السائب وأبي نوح الدهان وجعفر بن السماك وعن صحار العبدي؛ أخذ العلم عنه خلق كثير أمثال: الإمام الربيع بن حبيب، وسلمه بن سعد، والإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي، والإمام الجلندى بن مسعود، والإمام =
??