المعتمد في فقه الحج والعمرة المعتصم بن سعيد بن سيف المعولي أبو أحمد

المعتمد في فقه الحج والعمرة

الجزء ١ · صفحة ٣٤٤

344

المعتوب في فقه الحج والعمر

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: طَوَافُ الْوَدَاعِ كَطَوَافِ الْقُدُومِ هُوَ طَوَافٌ سَبَبِيٍّ، لَيْسَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْهُ أَلَّا يُغَادِرَ الْحَاجُ الْبَلْدَةَ الْمُحَرَّمَةَ إِلَّا بِوَدَاعَ الْبَيْن الْعَتِيقِ، وَلِذَا يُجْزِي عَنْهُ أَيُّ طَوَافٍ يَقَعُ عِنْدَ إِرَادَةِ مُغَادَرَةِ مَكَّةَ.

فَلَوْ أَخَّرَ الْحَاجُ طَوَافَ الزِّيَارَةِ - مَثَلاً حَتَّى آخِرِ يَوْمٍ أَجْزَاهُ طَوَافُهُ هَذَا عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَصَدَقَ فِيهِ أَنَّهُ جَعَلَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ. هَذَا مِنْ حَيْثُ الإِجْزَاءُ، وَسُقُوطُ طَوَافِ الْوَدَاعِ عَنِ الْمُكَلِّفِ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الأَفْضَلِيَّةُ فَلا شك أن التَّأْسَيَ بِالرَّسُولِ هُوَ الأَوْلَى وَالْأَخْرَى، بَلْ هُوَ المَأْمُورُ بِهِ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو الله واليَوْمَ الآخِرَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَقَدْ كَانَ لَكُوفِهِمْ أَسْرَةُ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ الممتحنة: (1)، وهُوَ المأْمُورُ بِهِ فِي قَولِهِ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مَنَاسِكَكُمْ؛ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُ بَعْدَ عَامِي هَذَا (2)؛ وَقَدْ خَصَّ المُصْطَفَى ودَاعَ البَيْتِ بِطَوَافٍ مُسْتَقِلْ غَيْرِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ الَّذِي كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْأَحْدِ بِمَا فَعَلَ لَا بِمَا تَرَكَ وَمَا آلَنَكُمُ

الرَّسُولُ فَخُذُوهُ - الحشر: 7، وَفِي السُّنَّةِ الْفَضْلُ لِمَنْ أَرَادَ الْخَيْرَ وَالْفَضْلَ. وَلَكِنْ قَدْ يَأْخُذُ بِهَذِهِ الرُّحْصَةِ الْعَاجِرُ عَنْ أَدَاءِ الطَّوَافَيْنِ جَمِيعًا كَالصَّعِيفِ عِنْدَ

شِدَّةِ الزِّحَامِ، أَوِ الْمَرْأَةِ الَّتِي حَاضَتْ وَأَجَّلَتْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ مَعَ طَوَافِ الْوَدَاعِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنْ يَجْتَزِيَ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ يَنْوِيهِ لِلإِفَاضَةِ

(1) - يقول الإمام السالمي -رحمه الله - في شرحه على ألفيته الأصولية "طلعة الشمس" معلقا على هذه الآية: "وظاهرها وجوب التأسي .. لقوله تعالى في آخرها:. لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِر فإنه في معنى الوعيد على الإخلال بالتأسي

به، وذلك يقتضي الوجوب. يُنظر:

السالمي، طلعة الشمس ج 2 ص 87.

(2) - النسائي، باب: الرُّكُوبِ إِلَى الْحِمَارِ وَاسْتِظْلالِ الْمُحْرِمِ، رقم الحديث 3012.