المعتمد في فقه الحج والعمرة
الجزء ١ · صفحة ٥٠50
المعتصب في فقه الى ج والعمرة
فَصْلٌ فِي حِكَمِ الحَجِّ
المعتمد
اعْلَمْ - أَخِي الْحَكِيْمُ، آتَاكَ اللَّهُ الْخَيْرَ الكَثِيرَ - أَنَّ اللَّهَ وَ لَمْ يَحْلُقْنَا سُدًى، وَلَمْ يتركنا هَمَلاً، وَلَمْ يَشْرَعْ لَنَا عَبَثًا، وكَمَا أَنْ لَهُ فِي كُلِّ حَادِلَةٍ حُكْمًا فَإِنْ لَهُ فِي كُن حُكْمِ حِكَمًا، وَفِي شَعِيرَةِ الحَجِّ حِكَمٌ جَلِيْلَةٌ كَثِيرَةٌ تَمْتَدُّ فِي ثَنَايَا حَيَاةِ الْمُؤْمِنِ الْإِيْمَانِيَّةِ والرُّوحِيَّةِ، وَتَسْرِي فِي زَوَايَاهَا، وتتَغَلْغَلُ فِي حَنَايَاهَا، وَمِنْ حِكْمَةِ الرَّبِّ الْحَكِيمِ فِي
الحَجِّ مَا يَأْتِي: أن في الحج إظْهَارًا لِلتَذكُل وَالافْتِقَارِ وَالرَّغْبَةِ وَالحَاجَةِ لِلْمَوْلَى: فَهُوَ يَلْبَسُ ثِيَابَ الإِحْرَامِ مُظْهِرًا شِدَّةَ فَقْرِهِ لِرَبِّهِ، وَيَتَجرَّدُ عَنْ كُلِّ مَا يَصْرِفُهُ عَنِ الْخُلُوْصِ لِمَوْلَاهُ، فَيَتَعَرَّضُ بِذَلِكَ لِمَغْفِرَتِهِ وَرُحْمَاهُ، ثُمَّ يَقِفُ فِي عَرَفَةَ ضَارِعًا لِرَبِّهِ، حَامِدًا شَاكِرًا نَعْمَاءَهُ وَفَضْلَهُ، مُسْتَغْفِرًا لِذُنُوبِهِ وَعَشَرَاتِهِ، وَفِي الطَّوَافِ حَوْلَ الكَعْبَةِ البَيْتِ الْحَرَامِ يَلُوْذُ بِجَنَابِ رَبِّهِ،
وَيَلْجَأُ إِلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ، وَمِنْ هَوَى نَفْسِهِ وَوَسْوَاسِ شَيْطَانِهِ.
أَنَّ فِي الْحَجِّ رَفْضًا لِلدُّنْيَا وَتَجَرُّدًا مِنْ لَبُوسِهَا وَعَلَائِقِهَا: كَمَا أَنَّ فِيْهِ تركًا لِطِيْبِهَا وَثِيَابِهَا وَزِيْنَتِهَا إِشَارَةً إِلَى تَجَرُّدِ هَذِهِ النَّفْسِ مِنْ مَلَذَّاتِهَا وَشَهَوَاتِهَا العَاجِلَةِ رَغْبَةً فِيْمَا عِنْدَ اللهِ، فَمَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ
الله باق".
أن في الحج إيقَاظًا لِلْغَفْلَةِ وَشَحْدًا للهمَّةِ عَلَى ذِكْر الله والإكثار مِنْهُ: فَكُلُّ مَا يَأْتِيْهِ الحَاجُ مِنْ تَلْبِيَةٍ وَطَوَافٍ وَصَلَاةٍ وَسَعْيِ وَوُقُوفٍ وَرَمْيِ وَنَحْرٍ يَشْتَمِلُ عَلَى الذِّكْرِ وَالشَّكْرِ، وَهَذَا مَا بَنَّتْ مَعَانِيهُ آيَاتُ الكِتَابِ العَزِيزِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذَا أَفَضْتُم مِنْ عَرَفَةٍ
فَاذْكُرُوا اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا