المعتمد في فقه الحج والعمرة
الجزء ١ · صفحة ٥١٣المعتمد في فقه الحج والعمرة
فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الحَرَمِ المَكِّيِّ
تَعَلَّمْ أَخِي العَزِيزَ - جَعَلَ اللَّهُ لَكَ الْأَمْنَ فِي الدَّارَينِ أَنَّ اللَّهَ كَ أَرَادَ أَنْ يَزِيدَ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ شَرَفًا وَبَرَكَةً وَمَكَانَةً، فَشَرَعَ لَهُ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا يَزِيدُهُ فِي العِبَادَةِ فَدَاسَةً، وفِي النُّفُوسِ هَيْبَةً وَتُقَى؛ {وَمَن يُعْظِمْ شَعَبَرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تقْوَى الْقُلُوبِ) الحج: 32، فَكَانَ أَنْ جَعَلَ مَا حَوْلَهُ حَرَمًا آمِنًا لَهُ أَحْكَامُهُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي يُفَارِقُ مَا الحِلَّ وَيُحَقِّقُ بِحُرْمَتِهِ وَتَحْرِيمِهِ وَصْف الْأَمْنِ وَمَن يُعَظِم حُرمتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِندَ رَبه الحج: 30، فَمِنْ تِلْكَ الْأَحْكامِ والخَصَائِصِ الَّتِي أَرَادَهَا رَبُّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا:
"1
أَوَّلاً مُضَاعَفَةُ الحَسَنَاتِ: فَالصَّلاةُ بِهِ عَنْ مِئَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيْثِ وَصَلاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِئَةِ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ (1) وَهَذَا التَّفْضِيلُ وتِلْكَ الْمُضَاعَفَةُ تَعُمُّ الفَرْضَ وَالنَّفْلَ. وَقَدِ اسْتَظْهَرَ بَعْضُ العُلَمَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالمَسْجِدِ الْحَرَامِ هُنَا هُوَ الْحَرَمُ كُلُّهُ -وَهُو إِحْدَى إطلاقاتِ المَسْجِدِ الْحَرَامِ الأَرْبَعَةِ، كَمَا سَيَأْتِي، وَالذِي يُرَبِّحُ هَذَا الإِطْلَاقَ وَشْمُولَ مُضَاعَفَةِ الأَجْرِ عُمُومًا وَالصَّلاةِ خُصُوصًا لِلْحَرَمِ كُلِّهِ هُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ مَجِيئِهِ لِحَجَّةِ الوَدَاعِ كَان يُصَلِّي فِي مَنْزِلِهِ الَّذِي نَزَلَهُ مِنْ بَطْحَاءِ مَكَّةَ وَلَمْ يَكُنْ يَأْتِي إِلَى المَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَلَوْ كَانَ الفَضْلُ مَقْصُورًا عَلَى المَسْجِدِ فَحَسْبُ وَلَمْ يَكُنْ شَامِلا لِلحَرَمِ
كُلِّهِ لَسَارَعَ النَّبِيُّ له إلى الصَّلاةِ بالمَسْجِدِ وَلَمْ يُفَوِّتْ تِلْكَ الْمُضَاعَفَةَ العَظِيمَةَ .. وَعُمُومًا فَإِنَّهُ مِمَّا لَا شَكٍّ فِيْهِ أَنَّ صَلَاةَ المَرْءِ فِي مَكَانٍ مُتَّسِعٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ أَدَاءِ جَمِيعِ وَاجِبَاتِ الصَّلاةِ وَأَرْكَانهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَكَانٍ لَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ أَدَاءِ بَعْضٍ أَرْكَانِ الصَّلاةِ لا سَيَّمَا رُكْنُ الصَّلاةِ الأَعْظَمِ "الخُشُوعِ" خَاصَّةً فِي أَيَّامِ الحَجِّ (2).
(1) ابن ماجه، باب: مَا جَاءَ فِي الصَّلاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ، رقم الحديث 1396. 2 - الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْل الذِّكْرِ" حلقة: 17 ذو الحجة 1424 هـ، يوافقه 2004/ 2/8 م.
(2)
،