المعتمد في فقه الحج والعمرة
الجزء ١ · صفحة ٦٠المعتصب في فقه الحج والحمرة او السلام
أَنْ يَتَخَيَّرَ الرَّفْقَةَ الصَّالِحَةُ: التِي تُعِيْنُهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَاهُ عَنِ المُنكَرِ، فَإِنَّهُ قِبْلَ قَدِيْمًا: الجَارُ قَبْلَ الدَّارِ، وَالرَّفِيقَ قَبْلَ الطَّرِيْقِ (1)، وَكَذَا يُنْهَى المَرْءُ عَنِ السَّفَرِ مُنْفَرِدًا وَحِيْدًا لِمَا يَعْرِضُ فِي السَّفَر مِنْ أَعْطَار؛ إذْ هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ، وَالمَرْءُ قَلِيلٌ بِنَفْسِهِ كَثِيرٌ بِإِخْوَانِهِ، كَمَا أَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَدَنِيٌّ بِطَبْعِهِ اجْتِمَاعِي بِفِطْرَتِهِ، وَقَدْ قِيلَ:
النَّاسُ لِلنَّاسِ مِنْ بَدْرٍ وَحَاضِرَةٍ
***
بَعْضٍ لِبَعْضٍ وَإِنْ لَمْ يَشْعُرُوا حَدَمُ
وَفِي الحَدِيْثِ: " الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلاثَةُ
رَكْبٌ (2)، وَفِي نَظْمِ الْجَوْهَرِ لِلْعَلَامَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ زَانَهُ:
وَإِنْ قَصَدْتَ يَا أَخِي طَرِيْقَا
***
فَحُدْ لَهُ مُصَاحِبًا رَفِيْقَا
يا مواد باد
وَالمَرْءُ مَنْهِيِّ عَنِ الْأَسْفَارِ مُنْفَرِدًا فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
***
لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ بِمَا فِي الوَحْدَةُ مَا سَارَ إِنْسَانُ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ (3)
(1) ـ الصوافي، حمود بن حميد. تنبيهات في الحج رقم (5) مادة سمعية، مكتبة مسجد جامعة السلطان قابوس. (2) - تنبيه: فهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سفر الرجل وحده والاثنين فهي إرشاد وتوجيه لا نهى تحريم؛ وذلك لما يُخشى على فاعل ذلك من الوحشة بالوحدة، وهذا النهي نظير تهيه عن الأكل من وسط الطعام وعن الشرب من فم السقاء، والنهى عن المبيت على السطح غير المحجور بالحياط، وكل ذلك تأديب وإرشاد لأمته، وتعريف منه لهم على ما فيه حظهم وصلاحهم، لا شريعة ودين يأثمون بتضييعه وترك العمل به فالعامل محتاط لنفسه من مكروه يلحقه إن ضيعه. وذلك أن السائر في فلاة وحده، والبائت في بيت وحده إذا كان ضعيف القلب رديء الفكر لم يؤمن أن يكون ذلك سببا لفساد نفسه بعدو أو عقله بخوف، والنائم على سطح غير محوط غير مأمون أن يقوم وهو وسنان من النوم فيتردى من الأعلى فيهلك، والشارب من فم السقاء غير الموكوء غير مأمون عليه انحدار ما خفي عليه من الهوام المؤذية أو القاتلة في السقاء فيتضرر، وكذلك المسافر مع آخر قد يخشى من غائلته ولا يأمن مكره، فإذا كانوا ثلاثة أمن ذلك في الأغلب، وهذا وما أشبهه إرشاد منه لأمته.
وبالجملة فالنهي فهي إرشاد لا تحريم وقد تلجئ الضرورة إلى ارتكابه وكما يقول ابن حجر في الفتح: "والنَّاس يَتَبَايَنُونَ فِي ذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الزَّجْر عَنْ ذَلِكَ وَقَعَ لِحَسْم الْمَادَّة فَلا يَتَنَاوَلُ مَا إِذَا وَقَعَتْ الْحَاجَةِ لِذَلِكَ". مالك، الموطأ، باب: مَا جَاءَ فِي الْوَحْدَةِ فِي السَّفَرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، رقم الحديث 1548.
(3) - السَّالِمِي، عبد هم بن حميد. جوهر النظام، ج 4 ص 326.