الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٩لو كان لي ما طلعت عليه الشمس وغربت لافتديت به من هول المطلع ووحشة
القبر وكان رأسه في حجر عبد الله ولده فقال له: ضع خدي في الأرض
فجعل يحك خده بالأرض ويقول: الويل لعمر وأم عمر ان لم يغفر الله له
6
وقال بعض العارفين أن ملك الموت عليه الصلاة والسلام إذا ظهر للعبد أعلمه انه قد بقي من عمرك ساعة وأنك لا تستأخر عنها طرفة عين فيبدو للعبد من الأسف والحسرات ما لو كانت الدنيا بحذافيرها لخرج منها على ان يضم إلى
تلك الساعة ساعة أخرى ليستعتب فيها ويتدارك تفريطه فلا يجد إليه سبيلا
واعلم ان شدة الألم في سكرات الموت لا يعرفها بالحقيقة إلا من ذاقها،
•
ومن لم يذقها فإنما يعرفها إما بالقياس إلى الآلام التي ادركها، وإما بالاستدلال بأحوال الناس في النزع على شدة ما هم فيه
فأما القياس الذي يشهد له هو ان كل عضو لا روح فيه فلا يحس بالألم فإذا كان فيه الروح فالمدرك للألم هي الروح فمهما أصاب العضو جرح او حريق يسري الأثر الى الروح فبقدر ما يسري الى الروح يتألم، والألم يتفرق على اللحم والدم وسائر الاجزاء ولا يصيب الروح إلا بعض الأثر فإن كان في الآلام ما يباشر نفس الروح ولا يلاقي غيره فما أعظم ذلك الألم وما أشده
والنزع عبارة عن مؤلم نزل بنفس الروح، ولا يلاقي غيره فاستغرق جميع اجزائه حتى لم يبق جزء من اجزاء الروح المنتشر في أعماق البدن إلا وقد حل به الألم فلو أصابته شوكة فالألم الذي يجده إنما يجري في جزء من الروح يلاقي ذلك الموضع الذي أصابه الشوك وإنما يعظم آثر الاحتراق لأن اجزاء النار تغوص في سائر اجزاء البدن فلا يبقى جزء من العضو المحترق ظاهرا أو باطنا إلا وتصيبه النار فتحسه الأجزاء الروحانية المنتشرة في سائر اجزاء
اللحم. وأما الجراحة فإنما تصيب الموضع الذي يمسه الحديد فقط فكان كذلك
- 269 -