الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١١٤ولم يكن أحد أحب إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، وكانوا إذا أقبل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم قعود لا يقوم أحد منهم إليه لما يعلمون من كراهيته
لذلك
وذكر في الخبر: ان النجاشي ملك الحبشة أرسل إلى جعفر وأصحابه حين هاجروا من مكة إلى أرض الحبشة لما كثر إيذاء الكفار لهم فدخلوا على النجاشي فوجدوه جالسا على الأرض وليس تحته شيء يحجبه عن التراب وعليه ثياب خلقة فأشفقوا من حاله وملبسه حين رأوه على تلك الحالة، وأنكروا ذلك من فعله لما كانوا يعرفون قبل ذلك من حاله وملبسه فلما رأى التغيير في وجوههم قال لهم: إني أبشركم بما يسركم وأخبركم أن الله - تعالى - قد نصر نبيكم، وإني قد جاءني من نحو أرضكم عير لي فأخبرني أن الله قد نصر نبيه وأهلك عدوه وقد أسر فلان، وقتل فلان وفلان، والتقوا بواد يقال له بدر. فقال له جعفر: أيها الملك؛ أراك جالسا على التراب وليس تحتك شيء يحجبك عن التراب، وأرى عليك هيئة الثياب الخلقة. فقال له النجاشي: إنا نجد في كتاب الله الانجيل المنزل على عبده عيسى ـ عليه السلام - ان حقا على عباد الله أن يحدثوا الله تواضعا عند كل ما أحدث لهم من نعمة، فلما نصر الله نبيه، وأهلك عدوه أحدثت هذا التواضع. فأعجبهم
ذلك من قوله
ولقد كان عمر بن عبدالعزيز قبل أن يلي الخلافة تشترى له الحلة بألف دينار فيقول: ما أحسن هذا الثوب لولا خشونة فيه فلما ولي الخلافة كان يشترى له الثوب بخمسة دراهم فيقول: ما أحسنه لولا ليونة فيه. فقيل له: أين ملبسك ومركبك قبل هذا؟ قال: خير الناس من تواضع الله
وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يلبس ثوبا فيه اثنتا عشرة رقعة ليس فيها رقعة تشبه الأخرى، أحدها من أدم. ولما أراد السفر إلى الشام حمل بينه وبين غلامه ناقة واحدة يتعاقبان عليها، كان عمر يركب الناقة ويأخذ
- 118 -