الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٤٥ومما يحقق المواءمة بين التأويل والنص، بين الوحي والعقل ما ورد من آيات في شأن الأحكام العقدية التي تتحدث عن الصفات الإلهية، والتي حملها الحرفيون من علماء المسلمين على حقيقة أصولها الدلالية في الوضع، فكانت موهمة للتشبيه وحملها الغائيون منهم على المجاز تأويلاً ليخرجوا من هذا المحذور، واشتهر عندهم أن الصفات المشابهه للمخلوقين في وصفها تحمل على غاياتها لا على بداياتها أرشد إلى هذا التأويل ما نزل من آيات محكمات هي مرجع التأصيل في حركة التأويل. (1) فقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10] وقوله: ﴿وَاصْبِرُ الحُكْر رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: 48] وقوله إنَّ اللهَ مَعَنا} [التوبة: 40] وقوله: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَلِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 27] تأول بالرجوع إلى قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
ولكن الحركة العقلية في التأويل يجب أن تكون منضبطة باللغة وقواعد الشرع حتى لا يضل المؤول سواء السبيل، فيحرف المعنى ويناقض الحق ويجاوز بالعقل حدوده، وينأى بخطاب الوحي القرآني عن مقاصده. إن الخطاب التشريعي في القرآن لم تنين أحكامه على التلقي المحض الذي يأمر الإرادة الإنسانية بتغريب العقل وتغيبه في مأمورات ومنهيات لا يتقبلها، بل سلك سبيلا مغايراً لذلك حتى يخلد خطابه بتقبل العقل، ويخلد العقل بهداية الخطاب؛ ليكون نشاطه راشداً مهتدياً بالوحي، ليكون نشاط الإرادة الإنسانية مصحوباً بتأييد العقل والشرع معاً في تطبيق الأحكام، وهذا دليل على صلاحيته لكل زمان ومكان وأنه في غاية قصوى من الإعجاز.
(1) انظر الجويني، أبو المعالي: كتاب الإرشاد) مصر مكتبة الخانجي، ط 1950 م) ص 155 وما يليها وانظر
ابن رشد: فصل المقال، ص
145