الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٦٠لو فرضنا صحة حدوثه فلا بد أن تكون الإدارة القضائية استمر عملها بأسلوب منظم في القرن الأول بعد الفتح الإسلامي، وإن الفاتحين الجدد قد اعتنوا بالإدارة القضائية لمصلحة رعيتهم غير المسلمة. والحق أن المسلمين لم يتدخلوا في أمور أهل الذمة، وذلك طبقاً للأوامر القرآنية القاضية بأن يكون لكل ملة قانونها ثم إن العرب لم يستفيدوا إطلاقاً من المحاكم العدلية التي استمرت تحت إدارة الأساقفة والربيين (1).
وكذلك نفى بوسكيه هذه الشبهة، فهو لا يرى تشابهاً بين القانونين بل إن
الاختلاف أكثر وضوحاً بينهما، وتتمثل هذه الاختلافات في عدة نقاط منها: 1 - لا تتمتع طبيعة القانون الكنسي بالديمومة والثبات؛ لأن الكنيسة تسمح دوماً بتطوره وتغيره طبقاً لمقتضيات الظروف، بينما يتميز التشريع الإسلامي بالدوام والثبات والاستقرار
2 – إن تكوين التشريع الإسلامي يختلف اختلافاً جذرياً عن تكوين القانون. الكنيسي فهذا القانون ليس نتاج مؤلفات العلماء واجتهاداتهم، فالقرارات الجبرية لها أهميتها الحاسمة في هذا الخصوص، بينما لا يمكن القول بوجود أي نص من أي مصدر كان في التشريع الإسلامي عدا القرآن والحديث، ولم تكن هناك أية سلطة مدنية، أو دينية حاولت إلغاء قرارات العلماء إضافة إلى أن الأحكام. القضائية في الإسلام لا تتمتع بسلطة التشريع.
- والتشريع الإسلامي منهج متكامل يعالج جميع مناحي الحياة البشرية من عبادة ومعاملات وأخلاقيات وغيرها، فهو ينظم هذه الأمور مجتمعة، بينما لا يتمتع القانون الكنسي بهذه الشمولية فهو لا يهتم تنظيم المسائل المدنية، ولا ينفرد. بالتشريع، وليست لأحكامه عالمية التطبيق على رعايا الكنيسة واتباعها. 4 - والقانون الكنيسي يتصف بالطابع القانوني الصرف؛ لتأثره بالقانون الرماني، فهو لا يهتم بالمسائل العقدية والأخلاق، بينما نجد التشريع الإسلامي نقيض ذلك، فالمفتي المسلم يفتي برأيه في
(1) انظر نللينو: نظرات في علاقات الفقه الإسلامي بالقانون الرماني: ص 54، 55، وانظر مقالها الذي ترجمه حميد الله، إلى الإنجليزية ونشره في مجلة إسلاميك رفيد عدد كانون الأول 1953 م ص 9.
160