الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٦٢ب - المستشرقون ومواطن نزول القرآن
ومن الشبهات التي أثارها المستشرقون قولهم: إن القرآن المكي خال من التشريع والأحكام بينما يحتوي المدني على تفاصيل العبادات والمعاملات (1) وهذا في ظنهم يدل على بشرية القرآن.
والصواب أن القسم المكي اهتم بالجانب العقدي مع تعرضه للتشريع في صورة إجمالية، ومعلوم أن مقاصد الدين الخمسة قد عرض لها القرآن في المرحلة المكية، وهي حفظ الدين والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
66
فجميع تشريعات القرآن راجعة في أصولها إلى تلك المقاصد، فطبيعة التشريع القرآني بمكة كانت تأصيلية؛ وذلك بوضع الكليات العامة للإسلام وكانت طبيعة التشريع المدني تتوجه إلى معالجة القضايا التشريعية المكتثرة في تلك القواعد العامة، يقول الشاطبي في ذلك: " وإنما كانت الجزئيات المشروعة بمكة قليلة، والأصول الكلية كانت في النزول أكثر، ثم لما خرج رسول الله - إلى المدينة، واتسعت خطة الإسلام، كملت هنالك الأصول الكلية على التدريج .. (2) وإن احتواء التشريع في الآيات المدنية على بعض التفصيلات كان أثراً من استقرار الدعوة الإسلامية بالمدينة - التي اختتمت ببناء المجتمع الجديد بما فيه من تنظيمات، ومن المناسب في هذه المرحلة أن تترسخ الحقائق الشرعية في العبادات والمعاملات وأن ترسم حدود بين الحلال والحرام، وأن تنظم العلاقات الدولية في أحوال الحرب والسلم، وتظهر تشريعات الحدود، وتضبط العلاقات بين أفراد المجتمع الإسلامي، وروج بعض المستشرقين لشبهة أخرى يتحججون بها على بشرية القرآن وهي: احتواء القسم المدني من التشريع على معالجات لمشكلات الرسول -- الأمر الذي رسخ عبادة شخصية الرسول - عليه الصلاة والسلام - وهو عندهم دليل على بشرية القرآن، لأنه لو كان من عند
الله لما اهتم بهذه الأمور الشخصية (3).
1 - انظر م ن: 2/ 434.
2 - الموافقات: 1/ 103.
- انظر الظاهرة الاستشراقية: 2/ 438.
162