الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٦٥في هذا المجال فقرر مبدأ المساواة بين الناس دون قيد ولا شرط لقوله تعالى يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُمْ
شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: (13) فالمساواة بين بني الإنسان في الحقوق والواجبات أساس التعارف بين الأمم والشعوب، كما أن التعارف يقتضي المودة والتعاون في كل شؤون الحياة (1)
القرآن يقرر أن الناس جميعاً أمة واحدة، وأنهم من أصل واحد، خلقهم الله تعالى من نفس واحدة فقال تعالى: يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء (النساء 1)
فقد جاء بهذا المبدأ منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، بينما القوانين الوضعية لم تعرف هذا المبدأ إلا في أواخر القرن الثامن عشر، ولاتزال معظم الدول الأوروبية والولايات الأمريكية تطبق هذا المبدأ تطبيقاً مقيداً.
ومن المباديء التي يقوم عليها هذا التشريع مبدأ العدالة المطلقة» لقوله تعالى: وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء (58) وقوله:
وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة (8) وقوله (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا فَوَامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُن غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا} الآية (النساء 135)
فالعدل الذي يأمر به القرآن هو العدل المطلق المثالي بين الناس جميعاً، الذي لا يتأثر بعامل الجنس أو الدين أو القرابة، أو البغض والكراهية، فإذا انتفى العدل سادت الفوضى والفتن واغتال الأقوياء حقوق الضعفاء وتسلط الجبارون على الآمنين المسالمين .. وأصبح المجتمع مهدداً بالاخطار من آثار الخصومات والضغائن والأحقاد (2). من أجل ذلك أوجب القرآن الكريم إقامة العدل بين الناس، ولم يحدد شكلا معيناً
1 - انظر شلتوت، محمد: الإسلام عقيدة وشريعة (بيروت، دار الشروق (طه) ص - انظر الفاسي: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها: ص 267 وما بعدها.
472