قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٧٢

[194]

172

قنطرة النفس

وعن عروة بن الزبير / أنه قال: إنما أفرح في ساعة الغفلة، فكيف يفرح من يمشي بين الجنة والنار ولا يدري إلى أيتهما يصير. ويقال: أقام الحسن ثلاثين سنة لم يضحك. وروي عن طلحة أنه ضحك يوماً، فوثب على نفسه فقال: فيم الضحك؟ إنما يضحك من قطع الأهوال وجاز الصراط. ثم قال: آليت أن لا افتر ضاحكاً حتى أعلم بم تقع الواقعة، فما رأى ضاحكاً حتى صار إلى الله تعالى.

وروي عن وهيب بن الوردي أنه نظر إلى قوم يضحكون في يوم الفطر فقال: إن كان هؤلاء غفر لهم فما هذا فعل الشاكرين، ولئن كانوا لم يغفر لهم فما هذا فعل الخائفين.

ويُنشد:

عجبت لضحك المرء والموت خلفه وللمشتري دنياه بالدين أعجب وأعجب من هذين من باع دينه بدنيا سواه فهو من ذين أعجب وروي عن مالك بن دينار أنه قال: ما رأيت محمد بن واسع قط ضاحكاً، ولقد كان يبكي حتى نرحمه، قال: ولقد ذكرت له ذلك فقال: وكيف يضحك من لا يدري بم يختم له. وروي أنه جلس يوماً إلى ثابت البناني فسمعه يمزح فقال له محمد: تمزح في مجلسك، ولقد كنا نجلس إلى الحسن فكان إذا خرج إلينا خرج كأنه قد عاين الآخرة ثم جاء يحدثنا عنها. وعن جعفر بن سليمان أنه قال: كنت إذا وجدت من قلبي قساوة ذهبت فنظرت إلى إليه حسبته وجه ثكلى وعن ابن عباس رضي الله عنه في

ت

(1) ،

محمد بن واسع وكنت إذا نظر قوله تعالى: لا يُغَادِرُ صَغِيرَة (1). أنها التبسم، {وَلَا كَبِيرَةً أنها الضحك مع الاستهزاء. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: من كثر ضحكه قلت هيبته. وعن علي بن

[195] أبي طالب أنه قال: إذا ضحك العالم ضحكة مج من / العالم مجة. وقيل في منثور الحكم: ضحك المؤمن غفلة من قلبه وحسبك وعيداً على الضحك وتهديداً قول الله تعالى:

فَلِيَضْحَكُوا قَلِيْلاً وَلِيَبْكُوا كَثيراً) (2).

والقول في الضحك كالقول في المزاح، إن تجافاه الإنسان نفر عنه، وأوحش منه، وإن ألفه كانت حاله كما وصفنا فليكن حاله عند الإيناس بدل الضحك تبسماً وبشرى؛ لأن النبي عليه السلام كان يبتسم حتى تبدو نواجذه وهذا أبلغ في الإيناس من الضحك الذي يكون

(1) سورة الكهف الآية: 49.

(2) سورة التوبة الآية: 82.