قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٥١

قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر

451

فعرف أولوا الألباب والأبصار أن الله لهم بالمرصاد وأنهم سيحاسبون على القليل والكثير والنقير والفتيل والقطمير من الحركات والسكون واللحظات، وتحققوا أنهم لا ينجيهم إلا لزوم الاجتهاد، والمجاهدات، وصدق المراقبات ومطالبة النفس في الأنفاس، والخطرات، ومحاسبتها عند هواجس الفكرات عما صدر منها من السكنات والحركات، فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في يوم القيامة حسابه، وحسن منقلبه ومابه، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته، وقادته إلى الخزي سيئاته، فلما انكشفت لهم هذه الحالة علموا أنهم لا ينجيهم إلا طاعة الله لا محالة.

وقد أمرهم بالصبر والمرابطة، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا .... (1) الآية، فربطوا أنفسهم أولاً بالمشارطة، ثم بالمراقبة لها ثانياً، ثم بالمحاسبة لها ثالثاً، ثم بالمعاقبة رابعاً ثم بالمجاهدة خامساً، ثم بالمعاتبة / سادساً، فكانت لهم في [488] المرابطة ست مقامات فلنشرحها في ستة فصول.

الفصل الأول في المشارطة

وهذا تشبيه بمشارطة الشريك لصاحبه في التجارة يشارطه أولاً، ثم يراقبه ثانياً، ويحاسبه ثالثاً، ويعاتبه رابعاً، ويقاسمه الربح خامساً.

(2)

فتجارة الآخرة يشترك فيها العقل والنفس، فمطلب العقل تزكية النفس إذ به فلاحها، قال الله تعالى: {وَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَاهَا .... ) (2) الآية، فيحتاج العقل أن يشارط النفس أولاً، ويرتب عليها وظائف العبادات، ويشترط عليها شروطاً، ويرشدها إلى طريق فلاحها، ثم لا يغفل عن مراقبتها؛ لأنها أمارة بالسوء في جميع أخلاقها ثم بعد فراغها يحاسبها، ويطالبها بالوفاء لما اشترط عليها.

وهذه التجارة ربحها النجاة من العذاب الأليم ودخول الجنة في النعيم المقيم، فحتم على كل ذي حزم ولب آمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن النفس في جميع حركاتها وسكناتها، ويضيق عليها في لحظاتها وخطراتها، فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها يمكن أن يشتري بها كنزاً في الجنة لا ثمن له فيها، فإذا صلى الصبح فينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة النفس بأن يقول: يا نفسي مالي بضاعة إلا العمر، فمهما ضيعته

(1) سورة آل عمران، الآية: 200.

(2) سورة الشمس، الآية: 9.