قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٥٢

452

قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر

ضاع رأس المال، وهذا اليوم جديد قد أمهلني الله فيه، ولو توفاني لتمنيت أن يرجعني إلى الدنيا؛ لعلي أعمل صالحاً.

عصى

وهب أنك توفيت ثم ارجعت فإياك أن تضيعي هذا اليوم والليلة، فإن كل ساعة منها جوهرة لا قيمة لها، فقد ورد أنه ينشر للعبد في كل يوم وليلة أربعة وعشرون خزانة مصفوفة، يفتح له منها خزانة مملوءة نوراً من حسناته التي عملها فيها فيناله من الفرح والسرور ما لو فرغ على أهل النار لأدهشهم عن ألم النار، ثم يفتح له خزانة أخرى سوداء مظلمة فيفوح نتنها، [489] ويغشاه ظلامها، وهي الساعة التي. الله فيها فيناله من الفزع ما لو قسم / على أهل الجنة لنغص عليهم نعيمها، ثم تفتح له خزانة فارغة ليس فيها ما يسره ولا ما الساعة يسوءه، وهي التي نام أو أغفل أو اشتغل فيها بشيء من مباحات الدنيا، فيتحسر على خلوها تحسر العاجز على الربح الكثير، والملك الكبير حتى فاته، وناهيك به خسارة وغبناً، وهكذا تعرض عليه خزائن أوقاته طول عمره فيقول لنفسه: اجتهدي في تعمير خزائن أوقاتك بكنوزك التي هي أسباب ملكك.

وهب أن الله قد عفا عنك أليس قد فاتك ثواب المحسنين؟ فهذه وظيفة نفسه في أوقاتها، ثم يستأنف أخرى في أعضائه السبعة العين والأذن واللسان، والبطن، والفرج، واليد والرجل؛ لأنها رعية خادمة للنفس، وبها تتم أعمال هذه التجارة.

أما العين: فتحفظها عن النظر إلى عورة بالغ، أو محاسن امرأة محرمة، أو نظر إلى مسلم بعين الاحتقار، بل يحفظها عن كل فضول مستغنى عنها، إذ يسأل العبد عن فضول النظر كما يسئل عن فضول الكلام، ثم يستعملها في النظر إلى عجائب الملكوت، وفي كتاب الله تعالى، وسنة رسوله عليه السلام وكتب الحكمة للاتعاظ والاستفادة، وهكذا في كل عضو ولا سيما اللسان والفرج والبطن.

وأما اللسان: فخفيف المؤنة في النطق عظيم الجناية، وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم؟ فليحفظه عن محرمات الكلام من الكذب والغيبة والنميمة، وتزكية النفس ومذمة الخلق وغيرها من المحرمات فيه والفضول التي لا تعنيه ويشغله بالذكر والتذكير، وتكرار العلم والتعليم وإرشاد العباد إلى الصلاح والأمر والنهي، والإصلاح بين الناس، وغير ذلك من أنواع الخيرات، ويشترط على نفسه ألا يحرك اللسان طول النهار إلا بالخيرات

وما يعنيه من المباحات، إذ المؤمن نطقه ذكر، وصحته فكر، ونظره عبرة.