الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٦١قنطرة الصلاة
فصل
345
فإن قال قائل: تمييز فرائض الصلاة عن سننها معقول إذ تفوت صحتها بترك ركن من أركانها دون بعض سننها. فأما تمييز السنن عن الفضائل فغير معقول؛ لأنه إن كان الكل مأموراً به فما معنى سجود السهو لجبر السنة دون الفضيلة، فإن كان العقاب يتوجه لترك السنة فهي لاحقة بالفرض، وإن يتوجه فما معني تمييزها عن الفضيلة، إذ كان العقاب لا يتوجه إلى ترك الكل، والثواب
كان لا
مرجو على الكل.
فاعلم أن اشتراك الجميع في الثواب والعقاب، والاستحباب لا يدفع تفاوت درجاتها، وسينكشف لك ذلك بمثال ذكره الغزالي في كتابه قال: وذلك أن الصلاة كأنها صورة صورها الشرع، وتعبدنا باكتسابها ولا تكون كاملة إلا بمعان، باطنة وأركان ظاهرة كما أن الإنسان صورة صورها الله سبحانه ولا يكون إنساناً كاملاً إلا بمعان، باطنة وأعضاء ظاهرة فالمعنى
الباطن هو الحياة والروح.
والأعضاء الظاهرة قسمان: بعضها ينعدم الإنسان بانعدامها كالقلب، والدماغ، والكبد،
وكل عضو تفوت الحياة بفواته.
والقسم الثاني: أعضاء لا تفوت الحياة، بفواتها، ولكن تفوت بها منافع الحياة: كالعين، واليد، والرجل واللسان. وبعضها لا تفوت الحياة بفواتها، ولا تبطل منافعها، ولكن يفوت بها الحسن كالحاجبين واللحية والأهداب وحسن اللون. وبعضها لا يفوت بها الحسن والجمال ولكن يفوت بها الكمال: كاستقواس الحاجبين، وسواد شعر اللحية وتناسب خلقة الأعضاء، وامتزاج الحمرة بالبياض في اللون فهذه درجات، فكذلك العبادة صورة صورها الشرع، وأمرنا الله بامتثالها فروحها وحياتها الباطنة هي الخشوع والإخلاص والنية وحضور القلب كما سيأتي إن شاء الله فنحن الآن في أجزائها الظاهرة، والركوع والسجود، والقيام، وسائر الأركان تجري منها مجرى القلب والدماغ والكبد في صورة الإنسان إذ يفوت وجود الصلاة بفواتها. والسنن التي ذكرناها من الإسرار، والإجهار، والتكبير في الركوع والسجود، والتعظيم، والتسبيح، وسائرها يجري منها مجرى اليدين والعينين والرجلين لا تفوت الصلاة بفواتها بالسهو كما لا تفوت الحياة بفوات هذه الأعضاء، ولكن يصير الشخص بسبب فواتها مشوه الخلقة مذموماً غير مرغوب فيه، فكذلك من اقتصر على فرائض الصلوات دون سنتها لا
[1/ 383]