قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٨٢

282

قنطرة الدنيا

ثم الذي يبعث على الترك والتفريق، ويهون ذلك على قلبه ذكر آفات الدنيا، وعيوبها. إذ قال بعضهم: تركت الدنيا لقلة غنائها وكثرة، عنائها، وسرعة فنائها، وخسة شركائها. وقال بعضهم: إن الدنيا عدوة الله عز وجل، ومن أحب أحداً أبغض عدوه ـ والله أعلم إن كان يجوز هذا القول على الدنيا مجازاً أم لا (1)؟ والأصل أن الدنيا في حقيقتها وسخة جيفة إذ كان آخرها إلى الغدر والتلاشي والاضمحلال لكنها جيفة ضمخت بطيب، وكسيت بزينة، فأعزت بظاهرها الغافلون، وزهد فيها العاقلون، أما الصالحون فزهدوا في حرامها ورأوه عذاباً.

حبها؟

وأما الصديقون: فزهدوا في حلالها ورأوه كالميتة لا يتناولونها إلا بالضرورة.

فإن قيل: كيف تصير الدنيا في شهواتها ولذاتها بمنزلة النار أو الميتة فطباعنا تقتضي

فاعلم أن من وفق التوفيق وعلم آفاتها على التحقيق فإنها تصير عنده كذلك وإنما يتعجب بهذا الراغبون العميان عن (2) آفاتها المغترون بظاهرها.

سم قاتل

ويتبين لك هذا بمثال، وذلك لو أن إنساناً صنع طعاماً لذيذاً، ثم طرح فيه قطعة. فأبصر ذلك رجل ولم يبصر آخر ووضع بين أيديهما طيباً مزيناً فالذي أبصر ذلك السم يكون

عنده بمنزلة النار ولما يعلم من آفاته لا يتناول منه على حال والرجل الجاهل بالسم يحرص عليه ويتعجب من صاحبه بل ربما سفهه. فهذا مثل حرام الدنيا مع البصراء المستقيمين، والجهال الراغبين فإن لم يطرح فيها السم، ولكن بزق فيه وامتخط ثم ضمخه وزينه، فالذي. [1/ 334] |شاهد منه ذلك الفعل يستقذره، وينفر عنه ولا يكاد / يتقدم عليه إلا عند الضرورة وشدة الحاجة، والذي لم يشاهد ذلك فهو بآفاته مغتراً بظاهره حريص عليه، فهذا مثل حلال الدنيا مع أهل البصيرة والاستقامة وأهل الرغبة والغفلة، وإنما إختلف حال الرجلين مع تساويهما في الطبع لعلم كان لأحدهما، وجهل كان مع الأخر.

فإن قيل: لا بد لنا من قوت يكون لنا قواماً فكيف نزهد في الدنيا؟ فاعلم أن الزهد في الفضول مما لا يحتاج إليه في قوام البنية، وإنما المقصود بالقوة التقوية على العبادة فإن سكنتك

(1) هذه إشارة طيبة منه وإلتفاتة جيدة قد تفوت على كثير من الناس إلا من رحم الله فالله أسأل أن يجعلها له

في ميزان حسناته وأن يرحمنا وإياه برحمته أمين.

(2) في الأصل على. وهو تحريف لسهو من الناسخ، والله أعلم.