قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٨١

قنطرة الدنيا

281

وقد روي عن النبي أنه قال: من أحب دنياه أضر بآخرته من أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى

وقد روي عن سليمان الفارسي رحمه الله أنه قال: إن العبد إذا زهد في الدنيا استنار قلبه بالحكمة وتعاونت أعضاؤه في العبادة. فبان بهذا أن العبادة لا تكثر ولا تستقيم إلا بالزهد. والأمر الثاني: الذي يفيد الزهد هو شرف العمل وعظم قدره به.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ركعتان من رجل زاهد قلبه خير وأحب إلى الله عبادة المتعبدين إلى أخر الدهر أبداً سرمداً (2).

من

فإذا كانت العبادة تشرف وتكثر بذلك فحق لمن طلب العبادة أن يزهد في فضول الدنيا

ويتجرد عنها.

وقد قال بعض العلماء: الزهد زهدان زهد مقدور للعبد، وزهد غير مقدور؛ فالذي هو

مقدور ثلاثة: أشياء ترك طلب المفقود من الدنيا وتفريق المجموع منها، وترك إرادتها.

وأما الزهد الذي هو غير مقدور للعبد: فهو برودة الدنيا على قلب الزاهد. ولكن الزهد الذي هو مقدور للعبد هو مقدمات الزهد الذي هو غير مقدور له، فإذا أتى به العبد بأن لا يطلب ما ليس عنده من الدنيا، ويفرق ما عنده فيها، ويترك بالقلب إرادتها أورثه برودة الدنيا على قلبه. لأجل الله تعالى وعظم ثوابه، وهذا هو الزهد الحقيقي. والشأن كله في الإرادة قال الله سبحانه: مَنْ كَانَ يُرِيْدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِيْنَتَهَا (3) الآية. وقال: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ (4) الآية. في أمثالها أما ترى الإشارة كلها إلى الإرادة فالأمر المهم إذاً حب الدنيا / وإرادتها لأن [333/ب] حب الشيء يعمي، ويصمّ، لكن العبد إذا إستقام على الأولين - أعني الترك والتفريق - فمأمول من فضل الله تعالى دفع هذه الإرادة والحب عن قلبه إذ قال سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فيْنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (5). الآية.

(1)

قال العراقي في المغنى: (197/ 3) حديث أبي موسى الأشعري: من أحب دنياه أضر بأخرته .... الحديث - رواه ـ أحمد، والبزار والطبراني، وابن حبان، والحاكم وصححه.

(2) أطراف الحديث بنخوه عند الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (290/ 5)، أبي نعيم في تاريخ أصبهان

(212/ 1)

(3) سورة هود الآية: 15. (4) سورة الإسراء الآية: 18. (5) سورة العنكبوت الآية: 69.