الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٨٤القنطرة التاسعة
من الكتاب قنطرة الخلق
اعلم أن الله سبحانه وتعالى خلق ابن آدم لعبادته كلفه العمل بطاعته، فكان مفتقراً إلى الاجتماع مع جنسه محتاجاً إلى الاستماع بأنسه لتدوم به الألفة الجامعة، وتحدث بسبب اجتماعهم الذرية النافعة فافتقروا إلى أبنية محكمة، وبيوت متميزة لينفرد كل إنسان [335/ ب] بأهله، ويتميز من غيره ما كان من نسله، فاضطروا إلى الخلطة والتآلف. ولمن يصلح إلا على التعاون والتعفف لأن الإنسان مقصود بالأذية، محسود بالنعمة، فإذا لم يكن ألفاً مألوفاً، وبالمعونة معروفاً، تخطته أيدي، حاسديه، وتحكمت فيه أهواء أعاديه، فلم تسلم له نعمة، ولم تصف له مودة، فإذا كان ألفاً مالوفاً، ويبذل المعونة موصوفاً، انتصر بالإلفة على أعدائه، واستظهر بأهل معروفه على حساده فسلمت نعمته منهم وصفت مودة عنهم، وإن كان صفو الزمان عسيراً، وسلمة خطر.
وقد روي عن جابر بن زيد رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن آلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وخير الناس أنفعهم للناس (1) وإذا كانت الإلفة بها يجمع الله الشمل، ويظهر من أجلها التعاون والوصل، والتناصر والبذل، ويمتنع بها الإنسان من الذل، ويكسب بها أنواع الفضل اقتضت الحكمة ذكر أسبابها مشروحة بأبوابها وأسبابها. الألفة ثمانية وهي؛ الدين النسب والمصاهرة والجوار، والملك، والإخاء، والمروة، والإفضال، ونحن نشرحها إن شاء الله في ثمانية أبواب.
الباب الأول في الدين
وهو الأول من أسباب الألفة فإنه يبعث على التناصر ويمنع من التقاطع والتدابر.
(1) قال الحافظ العراقي في المغنى: رواه أحمد والطبراني من حديث سهل بن سعد، والحاكم من حديث أبي هريرة. لكن لم تذكر فيه وخير الناس أنفعهم للناس، وجاء الإحياء دون ذكر هذه الزيادة.