الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٠١قنطرة النفس
101
ا له ومعه أموال كثيرة ولا تسمح نفسه بإخراج الزكاة ولا بمداواة نفسه عند المرض بل صار [115] محباً للدنانير عاشقاً لها يتلذذ بوجودها فيكنزها تحت الأرض، وهو يعلم أنه يموت فتضيع أو يأخذها أعداؤه، ومع هذا لا تسمح نفسه أن يأكل أو يتصدق وهذا مرض في القلب عظيم عسير العلاج ولا سيما في كبر النفس فهو مرض مزمن لا يرجى علاجه؛ لأن المقصود بالمال قضاء الحاجة والفاضل عن قضاء حاجة الإنسان بمثابة الحجر فمحب الدنانير بلا قضاء حاجة كمحب الحجر وذلك غاية الضلال، فهذه أسباب حب المال.
وإنما علاج كل علة بما يضاددها فعلاج حب الشهوة بالقناعة باليسير والصبر، ويعالج طول الأمل بكثرة ذكر الموت، وبموت الأقران، ويعالج إلتفات القلب إلى الولد بأن الذي خلقه تكفل برزقه، وكم من ولد لم يرث من أبيه شيئاً وحاله أحسن ممن ورث، وبأن يعلم أنه يجمع المال لولده ليتركه بخير وينقلب هو إلى شر، فإن كان ولده تقياً صارت له المنفعة، وإن كان
فاسقاً استعان بماله على المعصية ويكثر التأمل أيضاً في أحول البخلاء ونفرة الطبع عنهم.
إلا
ويعالج أيضاً قلبه بأن يتفكر في مقصود المال، ولماذا خلق من أجله فلا يحفظ منه بقدر حاجته والباقي يدخره لنفسه ثواباً ليوم فقره، ويتفكر في شؤم البخل به وفي قوله تعالى: وَمِنْهُم مَنْ عَاهَدَ اللَّهُ لَئِنْ أَتَانَا مِن فَضْلِهِ. إلى قوله: بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعِرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ تفاقاً (1). الآية. وبلغنا أن هذه الآية نزلت في ثعلبة بن خاطب
(2)
قصة ثعلبة بن خاطب وذلك أنه روي عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة قال: يا رسول الله أدع الله أن يرزقني / مالاً. قال: يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه». فألح عليه [116] مرتين. فقال: يا ثعلبة أمالك في أسوة؟ أما ترضى أن تكون مثل نبي الله؟ أما والذي نفسي الجبال ذهباً وفضة لسارت». قال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت
بيده لو شئت أن تسير معي! الله أن يرزقني مالاً لأعطين كل ذي حق حقه ولأفعلن ولأفعلن. فقال عليه السلام: «اللهم ارزق ثعلبة مالاً». فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر مع الجماعة ويدع ما سواهما فنمت وكثرت حتى ترك الصلاة في الجماعة إلا الجمعة، فطفقت تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة، وطفق يلقى الركبان في يوم الجمعة فيسألهم عن الأخبار، فقال: ما فعل ثعلبة بن
(1) (2)
سورة التوبة الآيات: 77،76،75.
في الأصل: تغلبة بن خاطب وهو تحريف، وهو أنصاري بدري قتل بأخد وما يدور حول قصته هذه
محض كذب وافتراء.