الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٠٣قنطرة النفس
103
فقال له: أرسلت إليك لتأتيني فأبيت حتى جئت أنا. فقال: لو كانت [لي] إليك حاجة لأتيتك. فقال ذو القرنين: ما لي أراكم على الحال التي لم أر أحداً من الأمم عليها؟ قالوا: وما ذلك؟ قال: ليس لكم دنيا ولا شيء، أفلا اتخذتم من الذهب والفضة / فاستمتعتم بهما؟ [118] قالوا: إنما كرهناها لأن أحداً لم يعط منها شيئاً إلا تاقت نفسه ودعته إلى ما هو أفضل منه. فقال: ما لكم احتفرتم قبوراً فإذا أصبحتم تعهدتموها وكنستموها وصليتم عندها؟ قالوا: أردنا إذا نظرنا إليها وأملنا منعتنا قبورنا من الأمل. قال وأراكم لا طعام لكم إلا البقل من الأرض أفلا اتخذتم البهائم من الأنعام فاحتلبتموها وركبتموها فاستمتعتم بها. قالوا: كرهنا أن نجعل بطوننا قبوراً لها، ورأينا في نبات الأرض بلاغاً، وإنما يكفي ابن آدم أدنى العيش من الطعام؛ فإن ما جاوز الحنك لم يجد له طعماً كائناً ما كان من الطعام، ثم بسط يده ملك تلك الأرض خلف ذي القرنين فتناول جمجمة. فقال: يا ذا القرنين أتدري من هذا؟ قال: لا أدري. قال: هو ملك من ملوك الأرض، أعطاه الله سلطاناً على أهل الأرض، فغشم وظلم، فلما رأى الله ذلك منه حسمه بالموت، فصار كالحجر الملقي، قد أحصى الله عليه عمله حتى يجازيه به في آخرته ثم تناول جمجمة ثانية وقال: يا ذا القرنين أتدري من هذا؟ قال: لا، ومن هو؟ قال: هذا ملك ملكه الله، بعده قد كان يرى ما يصنع الذي قبله بالناس من الظلم والغشم، فتواضع وخشع الله، وأمر بالعدل في أهل مملكته فصار كما ترى قد أحصى الله عليه عمله حتى يجازيه في آخرته ثم أهوى إلى جمجمة ذي القرنين، فقال: وهذه الجمجمة كأن قد كانت كهذه فانظر يا ذا القرنين هلا كنت في صحبتي فأتخذك أخاً ووزيراً شريكاً فيما أتاني الله من هذا المال. قال: ما أصلح أنا وأنت في مكان ولا أن نكون جميعاً. قال: ذو القرنين ولم؟ قال: من أجل أن الناس كلهم لك عدوّ ولي صديق. قال: ولم؟ قال: يعادونك لما في يدك من الملك والمال والدنيا، ولا أجد أحداً يعاديني [119] لذلك ولما عندي من الحاجة وقلة الشيء. قال: فانصرف عنه ذو القرنين متعجباً
لرفضي
ومتعظاً. به والله أعلم
شاء الله
(2)
منه
فهذه المعاني والحكايات أدوية لعلاج البخل من جهة العلم والمعرفة مع ما سنورده إن من الأخبار والحكايات في مدح السخاء وفضله، فإذا تأمل الإنسان ذلك بنور البصيرة عرف أن إعطاء المال خير له من إمساكه في الدنيا والآخرة، فإذا تحقق ما ذكرنا هاجت رغبته
(1) ما بين المعقوفين من إحياء علوم الدين (267/ 3).
(2) راجع قصة ذي القرنين مع الملك في الإحياء وكثير مما في الباب (267/ 3: 268).