قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٠٤

1.2

قنطرة النفس

في البذل إن كان عاقلاً فإذا تحركت الداعية فينبغي أن يجيب الخاطر الأول ولا يتوقف لأن الشيطان يعده الفقر ويخوفه ليصده عن ا الصدقة.

ويقال: كان بعض مشايخ السلف في موضع الخلاء، فدعا تلميذاً له فقال: انزع القميص عني وادفعه إلى فلان فقال: هلا صبرت حتى تخرج قال: لم آمن على نفسي أن تتغير وكان قد خطر لي بذله. ولا تزول صفة البخل إلا بالبذل تكلفاً كما لا يزول العشق إلا بالسفر عن مستقر المعشوق ثم يتكلف أمر الصبر فيسلو عنه قلبه.

فكذلك الذي يريد أن يعالج البخل ينبغي أن يفارق المال تكلفاً مع الجهد مرة بعد أخرى حتى يميت من نفسه صفة البخل فيصير السخاء له طبعاً ويسقط عنه التعب فيه.

وعن وهب قال: ما تخلق عبد بخلق أربعين صباحاً إلا جعل الله ذلك طبيعة فيه، ومن عرف آفة المال لم يأخذ منه إلا قدر الحاجة، ومن قنع بقدر الحاجة فلا يبخل؛ لأن ما أمسكه لحاجته فليس إمساكه ذلك بخلاً منه وما لا يحتاج إليه فلا يتعب نفسه بحفظه بل يبذله وإنما كالماء على شاطاء النهر لا يبخل به أحد لقناعة / الناس منه بقدر الحاجة. فهذه أدوية من جهة العمل في علاج البخل أيضاً؛ لأن من لم يسلك هذا السبيل حتى يتجافى قلبه عن متاع الدنيا أنس بها وأحبها، فإن كان له مثلاً ألف متاع كان له ألف ولذلك إذا سرق له واحد منها ألمت به مصيبته بقدر حبه، له فإذا مات نزلت به ألف مصيبة دفعة

هو

محبوب،

واحدة؛ لأنه كان يحب الكل وقد سلب عنه، بل هو في حياته على خطر المصيبة بالفقد والهلاك.

وقد

روي أنه حمل إلى بعض الملوك قدح من فيروزج مرصع بالجراهر لم ير له نظير ففرح الملك به فرحاً شديداً. فقال لبعض الحكماء عنده: كيف ترى هذا؟ قال: أراه فقراً أو مصيبة. قال: وكيف؟ قال: إن انكسر كان مصيبة لا جبر لها وإن سرق صرت فقيراً إليه ولم تجد مثله، وقد كنت قبل أن يحمل إليك في أمن من المصيبة والفقر.

ثم اتفق أن كسر يوماً فعظمت مصيبة الملك فيه فقال: صدق الحكيم ليته لم يحمل إلينا. وهكذا شأن جميع أسباب الدنيا، فإن الدينا عدوة لأعداء الله إذ تسوقهم إلى النار، وعدوة لأولياء الله إذ تغمهم بالصبر عنها، وعدوة الله؛ إذ تقطع طريقه على عباده، وعدوة نفسها؛ فإنها تأكل نفسها، فإن المال لا يحفظ إلا بالخزائن والحراس ولا يمكن تحصيلهما إلا بالمال وهو بذل الدنانير والدراهم، فالمال يأكل غيره ثم نفسه حتى يفنى كالنار تأكل غيرها فإذا أعدمته أكلت نفسها فماتت وها نحن نذكر بفضيلة السخاء.

[120]