من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٦من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
رب العالمين الذي يملك وحده حق التشريع فيحلّ ويحرم وفق ما تقتضيه مصلحة عباده، فالرسول يدعوهم بترفق ولطف ليُقبلوا عليه مستمعين إلى ما يتلوه عليهم من الوحي، ولم يكلفهم في هذه الدّعوة بغير السّماع إلى ما يتلى عليهم، لما
يتطلبه الموقف من حسن الكياسة، حتى يستأنس القوم إلى ما يدعون إليه. وقبول الحضور والسماع هو الخطوة الأولى للتجاوب بين المدعوين والداعي، ثم بعد ذلك يجتذب القرآن بسحر بيانه من أعرض ونفر ولا شك أن التأثر بالإنصات والاستماع سوف يجرّ صاحبه إلى الانصياع والإتباع. فاعجب لهذا الأدب الرباني الرّفيع في أخلاقيات الدّعوة، حتى ولو كان المخاطب مشركا كافرا، ويؤيد ذلك قوله تعالى لرسوله في سورة التوبة: ﴿وَإِن اَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ﴾ (6).
وإسناد فعل التحريم لكلمة «الرّب» دون سواها من أوصاف الذات العلية ينم أيضا عن معاني الرعاية والتربية والفضل والإحسان، والهداية إلى الطريق القويم، وذلك التحريم من «الرّب» البرّ الرّحيم ليس للإعنات والتضييق، بل هو لما يوفّر سعادتكم وهناءكم بالقضاء على ما يفسد أبدانكم وأموالكم وأعراضكم، أو ما يقطع أواصركم الاجتماعية.
وبدأ تعالى بأشنع المحرمات وأفدحها ظلما وهي الشرك بالله فقال تعالى: أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. وقد يعبر عنه بـ (الكفر»؛ لأنّ الإنسان قد ينكر وجود الله تماما فهو كافر جحود، وقد يتقرب إلى الله بعبادة غيره من المخلوقات فهو مشرك ضال.
والشرك بالله أنواع كثيرة، منه الجلي والخفي، فالجلي مثل اتخاذ الأصنام أو عبادة الشمس والقمر وما إليهما من عظيم المخلوقات، اعتقادا بأن لها تأثيرا على السلطة الغيبية المهيمنة وراء الأسباب والسنن ذلك الاعتقاد الباطل الذي عبر عنه القرآن الكريم على لسان المشركين عندما قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمُ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر:3).
16