من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣٧الوصية الثانية: بر الوالدين
وإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلف جدا فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هم هووا في هويت لهم رشدا وإن زجروا بالنحس طيرا تمر بي زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا لهم جلّ مالي إن توفّر لي غنى وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم فليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
فلا عجب أن يتحلى المسلم الوفي بذلك الخلق العظيم، وقدوته في ذلك رسول الله، وهو الذي لم يزد على قوله لأولئك الأقرباء الذين آذوه وأخرجوه من بلدته حين عاد إليهم منتصرا، لم يزد على أن قال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء». وهذا يوسف، وهو في قمة عزه ومجده يواجه إخوته بالحلم والصفح وقد اعترفوا بذنبهم أزاءه فيقول لهم: {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمينَ) (يوسف: 92).
وقد دلّت التجربة من حياة النّاس أن العداوة إذا استحكمت بين الأقرباء، فإنها تكون أشدّ إيلاما وأبلغ جرحا في نفوس أصحابها، يقول طرفة بن العبد:
وظلم ذوي القربي أشدّ مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند
ومهما يتجمل الإنسان، ومهما يتودّد لغيره من النّاس الأبعدين، فإن المعيار لخلقه الحقيقي يكون من خلال معاملته لأقرب الناس إليه، لأن إطار القرابة هو المحك الدقيق لطبع الإنسان ومزاجه، فإذا جافى ذوي قرباه وضيعهم فهو لمن سواهم
أجفى وأضيع.