من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٦٢من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
صيانة للأخلاق العامة في المجتمعات المسلمة، وحفاظا على كرامة الإنسان من كل ما يفسد عليه دينه وعقله وعرضه.
وقوله تعالى: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، يعني ما يرتكب من هذه الفواحش علانية أو خفية؛ ذلك لأن الأوضاع الاجتماعية تختلف وتتحوّل باعتبار المجتمع الواحد في أيام قوته وضعفه وفي أحوال يسره وعسره كما تختلف تلك الأوضاع والأحوال في ما بين مجتمع وآخر حسب الأعراف والتقاليد، وحسب النظم والإيديولوجيات. ويبقى تحديد القول أو الفعل وحتى المعاني النفسية مما يسميه العلماء «دباغ السوء) متى يعتبر فحشا أو فاحشة منهي عنها، يبقى ذلك مرهونا بمدى تقدير الضرر الفردي أو الاجتماعي لكل تصرف ينتج عنه ذلك. ولذا نجد المفسرين القدامى قد اختلفت تحديداتهم للفحشاء الظاهرة والباطنة، بناء على ما كان شائعا في جاهلية العرب في فاحشة الزنا» ترتكب سرًا أو علانية، باعتبار وجهاء القوم وأراذلهم، أو باعتبار الحرية والاسترقاق، ومنهم من وسع المدلول إلى منكرات أخرى تشملها مثل قول بعضهم: ما ظهر منها ظلم الناس، وما بطن الزّنا والسرقة. وأيا كان تفسير القدامى، فإن أمثلتهم لا تؤخذ على أنها تحديد لبعض أفراد الفواحش، بل هي أمثلة لدلالتها العمومية، ومما يرجح هذا التفسير ما ورد في السنة النبوية من أمثلة تتناول كثيرا غيرها من التصرفات القبيحة.
وهناك معنى آخر لقوله تعالى: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، بما أن هذه المنهيات جاءت في جملة توصية الله لخلقه، فإن الرادع الحقيقي للمؤمن في الابتعاد عنها يجب أن يكون هو مراقبة الله في السر والعلن؛ لأن الله تعالى لا تخفى عنه خافية، وقد خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، ولأن الظاهر من هذه الفواحش كفاحشة الزنا واللواط والسّرقة مثلا لها ما يردع عنها بما شرع الله لها من حدود، أو بتعزير الإمام وتنكيله بالجاني، وهي زواجر مادية يخشى جانبها فتكبح جماح السفهاء الغاوين، ويبقى الزاجر الروحي القوي بخشية الله وتقاه هو الذي تكون له الفعالية المطلوبة فى حسن سلوك المؤمن واستقامته ولذا نجد تلك الرجاءات المتكررة خلال الوصايا العشر: لعلكم تعقلون، لعلكم تذكرون، لعلكم تتقون.
62