من أخلاق القرآن: الوصايا العشر ووصية لقمان (الحلقة الثانية) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ٨١

الوصية السادسة: النهي عن أكل مال اليتيم

قلت: إن القوم قد تحرّجوا من مخالطة اليتيم بعد الوصايا المكية فاشرأبت أعناقهم إلى ما يخفف عنهم العنت فتنزّل قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن الْيَتَامَى قُلِ إِصْلَاح لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِح وَلَوْ شَاءَ الله لأَعْنَتَكُم إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (220). يقول صاحب المنار في تفسير موجز لهذه الآية مهد به للتفصيل يقول: «يعني أي إصلاح لهم خير من عدمه، فلا تتركوا شيئا مما تعلمون أن فيه صلاحا لهم في أموالهم وأحوالهم من تربية وتهذيب، هذا ما أفاده تنكير: إصلاح، وإن تخالطوهم لرؤيتكم الخير لهم في المخالطة في المعيشة فهم إخوانكم في الدين، وإنما شأن الإخوان المخالطة في المعاشرة. وقد أزالت الكلمة الأولى من هذا الجواب الوجيز شبهة المتأثمين من كفالتهم، وكشفت الكلمة الثانية شبهة القوّامين المتحرّجين من مخالطتهم، ومن هذا الجواب عرفنا حقيقة السؤال، وهذا من ضروب الإيجاز التي لا تعرف إلا من القرآن (7. قلت: إن اختيار كلمة (الأخوة في الدين لمعامل اليتامى لها وقعها البليغ في نفوس الرعيل الأول، وقد عاشوا مفاسد الجاهلية فأصبحوا بنعمة الله: إخوانا، والمخالطة الأخوية لا يمكن أن تثمر إلا إذا قامت على أسس التسامح والمحبة

والإيثار، غير أن النوازع النفسية من الحرص والشَّحَ والأثرة قد تفسد الفطرة السليمة، وتضعف ما لعلاقة الأخوة من التوافق والتعاون، فكان لا بد من وازع ليقظة الضمير وتحريك الوجدان في مراقبة الله وهو القوي العزيز والحكيم في تدبير شؤون الخلق، فحذار من سوء النية ودناءة القصد: {وَالله يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ اللَّه لَأَعْنَتَكُم ..

وفي سورة النساء وقد تنزّلت بعد سورة البقرة نجد في افتتاحيتها تلك اللمسة الحانية في التمهيد لأحكام معاملة اليتامى فهم وإن لم يتصلوا بكم بوشائج القربى في إطار أسركم وعشائركم، فهم إخوانكم وأرحامكم في الإنسانية التي خلقها الله تعالى من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا

ونساء، فالزموا تقوى الله فى مراعاة تلك العلاقة فإنه مراقبكم ومحاسبكم.

71. محمد رشيد، رضا تفسير المنار: 342/ 2 - 343

81