من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٨٥الوصية السادسة: النهي عن أكل مال اليتيم
ونحن نعلم أن للموصي حق الثلث في وصيته، إن شاء أوصى به كلية للفقراء والمساكين، سيما لذوي القربى إذا كانوا ممن لا يرثون، أو يوصي بقسط منه للمشاريع الخيرية لتقوم بواجبها في نشر الفضيلة والتعليم الديني، وتساعد على التكافل الاجتماعي بين المسلمين. واليتامى المحاويج هم أولى من يستفيد بمثل هذه الوصايا، ثم إن الله تعالى العليم بطبائع النفوس يأمر بالقول المعروف والقول السديد لهؤلاء المستضعفين حتى لا تخدش كرامتهم فلا يتأذون بما قد تند به الألسنة أمام الحرص على المال، والله يقول: قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَدَى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} (البقرة: 263). ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالنَّ والأذى﴾ (البقرة: 264).
ثم يخاطب الأوصياء والأولياء الذين يحاولون تعطيل البر والإحسان لهؤلاء إما بأكل مال الوصية لهم، أو بتبديلها لغير ما خصصت له، يذكرهم بتقوى الله، وبأن يخافوا أن تقع ذريتهم من بعد موتهم في مثل ما وقع فيه أولئك الضعاف والمحاويج من اليتامى والمساكين فيعاملون بالقسوة والحرمان، كيف تكون
حالهم؟. ومن شأن المسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ولم يقتصر وعيد الله على هذا التنظير الحسّاس، بل أردفه بالعذاب الدنيوي والأخروي بلهجة حادّة تهزّ كيان المسلم، فقال جل من قائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ (النساء: 10).
فأي لذة أو منفعة في لقمة من نار تدخلها إلى بطنك، وأنت تأكل سحتا يتغذى به لحمك أو تربي به أولادك والرسول يقول: «كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به» 73، ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى. فهل يرعوي أولئك الطامعون عن العبث بأموال اليتامى وعن تعطيل تنفيذ الوصايا أو تحريفها؟، إن ربك
لبالمرصاد.
C
وأزاء هذا الوعيد الشديد نجد ذلك الوعد الحاني المشوّق في أحاديث رسول الله لكل من آوى يتيما وكفله، فليس هو مجرد ضمان دخول الجنة له، بل هو
73. تقدم تخريجه، ص 52.
85
55