من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٨بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
الرسول على عادة العرب. وعلى هذه الرواية تكون قصة بني تميم قد جمعت بين الآيتين الأولى والثانية في سبب النزول.
تصدرت كلتا الآيتين بنداء الحبيب إلى المؤمنين، وللإيمان بالله ورسوله التزاماته ومقتضياته وتكرار النداء للاهتمام بما يترتب عليه من إرشاد وتوجيه. وقد اختير له أسلوب النهي عن تلك المعاملات السيئة، وذلك أفيد في أسلوب التربية والتهذيب. لأن التخلي قبل التحلي كما يقول الحكماء، ودرء المفاسد أولى من جلب المنافع. فأي أدب يجب أن يتحلى به المؤمنون أمام رسول الله، وأي تشريف لمقام النبوة ترشد إليه هاتان الآيتان لأن رفع الصوت والجهر به لا يتم في كل مقام ولا مع أي شخص. غير أن المستوى الحضاري في التربية ينمي في الإنسان ذلك الحس المدني في علاقته الاجتماعية فينزل الناس منازلهم، والحديث إلى الناس أو أمامهم هو المحك الذي يمحص المستوى المدنى للإنسان. فقد نهى الله المؤمنين عن رفع الصوت فوق صوت النبي، لأن ذلك ينم عن عدم التقدير والاحتشام أولا، ثم نهاهم أن يكون حديثهم للرسول مساويا لحديث بعضهم لبعض، لأن التساوي يسقط الكلفة، وقد يجر ذلك إلى عدم التوقير والاحترام. والله يقول (لتعزرُوه وتوقروه). وفي عدم التوقير والاحترام لرسول الله حبط للأعمال، وقد يؤدي ذلك إلى الكفر إذا كان مصحوبا بالهزء والاستخفاف.
18
والله أعلم