من أخلاق القرآن: بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٣

محدثو رسول الله بين الترغيب والترهيب

التي سميت بـ «عام الوفود» فنادوه من وراء حجرات أزواجه. يا محمد أخرج إلينا فإن مدحنا زين وإن ذمنا، شين نحن أكرم العرب وذلك على عادة العرب من المفاخرة والتباهي وروي أنهم وفدوا إليه في وقت الظهيرة وهو راقد، فاستيقظ وخرج إليهم فنزلت. وصفهم الله أكثرهم بقلة العقل، ولم يعمم الحكم عليهم جميعا، إذ ربما كان فيهم من لم يناد، فكأنهم لجفوتهم وغلظتهم في ندائهم هم أدنى إلى صراخ الحيوانات العجماء منهم إلى تأدب الإنسان العاقل أمام من يستحق التقدير والاحترام. وقد نهى الله عن رفع الصوت بكيفية منكرة وجاء على لسان لقمان الحكيم فقال جلّ من قائل: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَات لَصَوْتُ الحمير [لقمان، 19].

وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ

رحيم.

وبما أن خلق الصبر في الإنسان وتوطين النفس عليه هو أساس المكرمات في التحلي بالأخلاق الفاضلة، كانت مناسبة في هذا المقام أولى من فعل انتظروا … مثلا والصبر خير كله وهو عدة المؤمن في كل الأحوال، والخير الذي يحصل عليه هو شرف التوقير للرسول بعدم إزعاجه في خلوته، وهو الذي لا يحتجب عن الناس إلا عند الاشتغال بضرورات قصوى، ثم إنَّ مراعاة هذه الآداب الرفيعة مع كافة الناس تكسب صاحبها قدرا واحتراما في قلوبهم، فما بال علية القوم وساداتهم؟

وفوق ذلك جلال النبوءة ووقارها.

والتذييل بقول تعالى: {وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ (دون أمرهم بالتوبة، ينم عن رحمة الله وفضله، إذ لم يُحص عليهم ذنبا في ذلك، إذ أنهم جروا على عادتهم الجاهلية على قاعدة: (من جاء على أصله فلا لوم عليه»، وفي اختيار صفتي المغفرة والرحمة للذات العلية تحريض على التوبة والإنابة.

والله أعلم

23