من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٢بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
الترغيب اللطيف مؤكدا بأن الاهتمام بمضمونه. معبرا عن الثناء عليهم لمبادرتهم في الأخذ بهذا الأدب الرفيع الذين يستحقون الجزاء عليه، فقد وردت روايات تدل على مدى إشفاقهم من الوقوع في هذا المحذور، فقال أبو بكر: والله لا أرفع صوتي إلا كأخي السرار، وكان عمر بعد ذلك ما حدث رسول الله يوما فسمع کلامه حتى يستفهمه مما يخفض. أما قصة ثابت بن قيس فعجيبة في هذا الباب. إذ كان شديد الصوت من طبعه فخاف أن يكون قد حبط عمله فيكون من أصحاب النار فانعزل في بيته مغموما لذلك حتى افتقده رسول الله، ولما علم خبره طمأنه عليه السلام قائلا: لست منهم بل تعيش بخير وتموت بخير: فأي أثر تركه في قلوبهم ذلك الإرشاد الإلهي؟
إنها القلوب المفعمة بالتقوى بعد تمحيص واختبار. فقد علم الله ما في قلوبهم فاستحقوا هذا الجزاء من المغفرة على ما بدر منهم والأجر العظيم على صدقهم وإخلاصهم، فما كان رفع الصوت منهم استخفافا برسول الله -حاشاهم ولا لعزة نفس أو كبرياء كما يفعل المنافقون، ولكنها العفوية والسذاجة والطيبة. بل هو الحب المكين لرسول الله الذي يحملهم أحيانا، إلى إسقاط الكلفة بحضرته ـ عليه السلام مع ما كان يحبوهم به من الحنان والرحمة والمرونة واللين والإحسان الله في المعاملة وللإمام الرازي ملحظ جيد في هذا المعنى إذ يقول: واعلم أن تعالى لما أمر المؤمنين باحترام النبي وإكرامه وتقديمه على أنفسهم وعلى كل من خلقه الله تعالى. أمر الله نبيئه عليه السلام بالرأفة والرحمة وأن يكون أرأف بهم من الوالد كما قال: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُومِنِينَ﴾ [الحجر، 88] وقال: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} [الكهف، 28] وقال: ﴿وَلا تَكُنْ كصاحب الحوت﴾ [القلم، 48] إلى غير ذلك لئلا تكون خدمته خدمة الجبارين الذين يستعبدون الأحرار بالقهر فيكون انقيادهم لوجه الله: التفسير الكبير م 22 ص 114 انتهى. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ بَل إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}. أورد الله هذا المثال للجهر المنهي الآية السابقة مما صدر من وفد بني تميم حين قدموا إلى الرسول سنة تسع
22