من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٩وجوب التثبت والتبين في الأخبار
وقد فرع العلماء عن هذه الآية كثيرا من الأحكام تطلب من مصادرها، غير أنهم متفقون على عدالة صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ممن قال الله فيهم: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف، 157].
ويستثنى من هذا الحكم عند بعض العلماء أولئك الذين رأوا الرسول أو زاروه لماماً.
أما عن الخلاف الفقهي في كون أن الأصل في الناس العدالة حتى يثبت العكس، أم أن الأصل في مجهول الحال عدم العدالة حتى يعرف وتثبت عدالته، فأحسب أن روح الآية تؤيد القول الثاني، لأن المناخ الذي يعيش فيه مجتمع ما له تأثير كبير في آراء المجتهدين من الأيمة حين يميلون إلى رأي ما. فهذا سيدنا عمر عنه قد اختلف موقفه في قبول الشهادة فقال: «المسلمون عدول بعضهم عن بعض ولما بلغه ظهور شهادة الزور رجع فقال: «لا يؤسر أحد في الإسلام بغير العدول).
رضي
الله
C
وتنكير كلمتي «فاسق» و «نبأ» في سياق الشرط بـ «إنْ» يفيد العموم، والفساق من الناس تتفاوت درجاتهم في الفسق، كما أن الأنباء تختلف في درجات الخطورة.
وبما أن معرفة الناس وتقييم سلوكاتهم شيء صعب، وهو شيء نسبي يتفاوت من شخص لآخر، فإن أسلوب التعميم في الآية الكريمة هو أنسب لأخذ الحيطة والحذر، والتعليل بالندم على الفعل لإمكان إصابة أحد، يدعو إلى التثبت والتبين أكثر في نوع الأنباء التي تتعلق بها حقوق الغير حتى لا يتساهل فيها، سواء من المخبرين - بالكسر أو المخبرين بالفتح وبذلك تصان حقوق الناس وأعراضهم
كما أرشد الله إلى ذلك في قصة الإفك إذ قال: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْلٌ مُّبِينٌ} [النور، 12].
29
29