من أخلاق القرآن: بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٨

بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة

الأذان والصلاة، فأخبرهم بما بلغ رسول الله عنهم وقبض زكاتهم. ولما رجع

من

إلى المدينة علق رسول الله على هذه الحادثة بقوله: «التثبت الله، من الشيطان».

والعجلة

ولكن الإمام الرازي علق على هذه الرواية بقوله: «هذه الرواية ضعيفة، لأن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد بعيد، لأنه توهم وظن فأخطأ والمخطئ لا يسمى فاسقا، كيف والفاسق في أكثر المواضع يراد به من خرج من ربقة الإيمان لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الرازي م 28 ص 119].

قلت، أيا كان سبب النزول فحكم الآية عام يفيد مبدأ التمحيص والتثبت في الأخبار قبل نشرها وإشاعتها. لأن مصادر الخبر وإن تعددت أنواعها اليوم فإنَّ العمدة فيها على الإنسان وهو إما أن يكون ثقة لما يشتهر به من صلاح وتقوى فيؤخذ بخبره، وإما فاسق بلغ حدَّ الاستهتار والمجاهرة بفسقه، فلا بد في أخد خبره من التحري والتمحيص، وإلا فإن التسرع في تصديق الإشاعات يُفضي إلى اضطراب ميزان العدل والإنصاف في حقوق الناس ويوقع كثيرا من الأبرياء تحت طائلة القانون والمؤمن الوفي لأخلاقيات الإسلام إذا لم يتحر ويثبت في ما يتداول

من الإشاعات فإنه يتحسر ويندم مما قد يصيب أولئك الأبرياء من الأضرار. وللإمام ابن عاشور ملحظ جيد في تفسير هذه الآية، إذ يقول: «وهذا الخطاب

الذي اشتمل عليه قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا () () موجه ابتداء للمؤمنين المخبرين بفتح الباء كل بحسب أثره بما يبلغ إليه من الأخبار على اختلاف أعراض المخبرين بكسر الباء ولكن هذا الخطاب لا يترك المخبرين بكسر الباء بمعزل عن المطالبة بهذا التبيين فيما يتحملونه من الأخبار، ويتوخى سوء العاقبة فيما يختلقونه من المختلقات. ولكن هذا تبين وتثبت يخالف تبيَّن الآخر وتثبَّتَهُ. فهذا تثبت من المتلقي بالتمحيص لما يتلقاه من حكاية أو يطرق سمعه من كلام والآخر تمحيص وتمييز الحال المخبر. انتهى.

التحرير والتنوير م 26 ص 232.

28