من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٤٢بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
الجذرية في أساليب الحكم وأنماطه كفيلة بحل هذا المشكل الذي ما يزال مطروحا في كثير من البلدان الإسلامية.
وقوله تعالى: {حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ) - أي يجب أن يستمر قتال المؤمنين للفئة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله، وهو الإذعان إلى أحكام شريعتة الغراء من الحقوق والواجبات وتفاديا للانحياز وغلبة الأهواء.
فإن الله تعالى أتبع أمر القتال بأمره بالعدل والإنصاف في الإصلاح بين الطائفتين: قطعا لدابر الفتنة في تلك القضية المتنازع عليها، وأردف ذلك بقوله: {وَأَقْسِطُوا إنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) تأكيدا للعدل الخاص بعدل عام يتوخاه المؤمنون في كل علاقاتهم ومعاملاتهم للفريقين، حتى لا يشعروا بأحاسيس الغالب والمغلوب، لأن انکسار الخواطر وكوامن الشحناء والبغضاء لا يغضي عليها إلا بالعودة إلى رفق الإيمان، واللياذ إلى من له بحق العزة والسلطان ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وعندما يتقوّى الشعور الإيماني في مجتمع ما فإن بواعث الشقاق تضعف وتزول، وعندما تند بعض البواعث وذلك من سنن الله في خلقه، فإن التكافل والتعاون بين المؤمنين يفرض عليهم حتما الإسراع إلى إصلاح ذات البين، وقد تقررت بحكم الله في هذه الآية الكريمة الأخوة الإيمانية التي هي أقوى من رابطة النسب حين يكون حبُّ الله ورسوله هو أشد الحب عند المؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا الله﴾ [البقرة، 165] وكما قال رسوله الله (ص)، لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
وقد أكد الله تلك الأخوة بقوله: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ، والعدول إلى الظاهر موضع الضمير لزيادة تقرير معنى الأخوة واختلفت القراءتان ما بين تثنية لفظ «الأخ» وجمعه «إخوتكم على اعتبار أن الطائفة بمثابة الأخ في صيغة التثنية، وعلى اعتبار كل فرد من الطائفتين كالأخ في صيغة الجمع. {وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) وأية رحمة هي أعظم من رحمة الأمن والعافية، ومن تبادل
(
42