من أخلاق القرآن: بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ٤١

في

إصلاح ذات البين وقتال البغاة

239

حسم

هذه

خلاف قاعدة الوقاية خير من العلاج غير أن الإمام ابن عاشور قد الإشكالية بالتحليل اللغوي للعبارة ثم قال: «والوجه أن يكون فعل» اقتتلوا مستعملا في إرادة الوقوع مثال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمُ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، ومثل قوله: {وَالَّذِينَ يَظْهَرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا أي يريدون العود، لأن الأمر بالإصلاح بينهما واجب قبل الشروع الاقتتال، وذلك عند ظهور بوادره ثم قال وبذلك يظهر وجه تفريع قوله: فَإِنْ بَغَتِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى، على جملة اقْتَتَلُوا – أي «فان ابتدأت إحدى الطائفتين قتال الأخرى، ولم تنصع إلى الإصلاح، فقاتلوا الباغية». انظر التحليل اللغوي لجملة. وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا م 26 ص قلت: إن واجب الصلح منوط بالطائفة المؤمنة المحايدة، وهو منوط بالإمام عند قيام الدولة الإسلامية، سيما إذا أفضى الأمر إلى قتال الفئة الباغية: ﴿فَإِنْ بَغَتِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. فإن تعذر الصلح بين الطائفتين، وأفضى التعنُّتُ إلى البغي من إحدى الطائفتين، وقد يكون من كلتيهما باعتبار جانب من جوانب شروط الصلح، فقد أمر الله المؤمنين بقتال الطائفة الباغية حتى تُذْعن إلى أمر الله، ولكن ما هو ضابط البغي الذي بموجبه يقاتل المؤمنون إحدى الطائفتين؟ وفي تحديد ذلك الضابط اختلف علماء الأمة بين الإفراط والتفريط والسماحة والتشديد. ويلخص الإمام ابن عاشور بعض الضوابط بقوله: (ويتحقق وصف البغي بإخبار أهل العلم أن الفئة بغت على الأخرى أو بحكم الخليفة العالم العادل، وبالخروج عن طاعة الخليفة وعن الجماعة بالسيف إذا أمر بغير ظلم ولا جور، ولم يخش من عصابته فتنة، لأن ضرَّ الفتنة أشد من شر الجور في غير إضاعة المصالح العامة من مصالح المسلمين. وذلك لأن الخروج عن طاعة الخليفة بغي على الجماعة الذين مع الخليفة»، قلت: حبذا لو أن هذه الضوابط كانت محل اتفاق بين الطوائف الإسلامية إذن لكفيت الأمة شرًا مستطيرا ذهب بآلاف الضحايا قديما وحديثا ومرجع الخلاف هو في مبدإ الحكم السياسي في الإسلام، ومرتكزه في شروط الإمامة، وكيفية تعيين الإمام، ولعل الأحداث العالمية اليوم والتغيرات

1. التحرير والتنوير. م 26، ص 240

41